|
المقدمة
الدرس الأول : سورة الشمس
الدرس الثاني : سورة الليل
الدرس الثالث : سورة الإنشراح
الدرس الرابع : سورة القدر
الدرس الخامس : سورة القارعة
الدرس السادس : سورة التكاثر
الدرس السابع : سورة العصر
الدرس الثامن : سورة الهمزة
الدرس التاسع : سورة الماعون
الدرس العاشر : سورة النصر
الدرس الحادي عشر : سورة الفلق
الدرس الثاني عشر : سورة الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين
وبعد،
إن القرآ الكريم لم يقتصر على كونه معجزة النبوة وبرهان
الرسالة، بل هو بالإضافة إلى ذلك كتاب الهداية بقوله تعالى: « ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين »
(1).
وهو الضمان الذي لا بد من التمسك به لمنع الإنحراف
والأمن من الضلال وفي الرواية عن علي "عليه السلام" قال:
هذا الكتاب الماثل بين يديك هو للاستفادة من الكتاب
العزيز والاستنارة بنوره والاهتداء بهداه من خلال انتخاب بعض قصار السور وبيان
معانيها والتركيز على بعض مفاهيمها.
نسأل اللّه تعالى أن ينفع به المؤمنين ويزيدهم هدى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاّها (3) والليل إذا يغشاها
(4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سوّاها (7) فألهمها
فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) كذّبت ثمود
بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13)
فكذّبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها (14) ولا يخاف عقباها (15) ».
1 - شرح المفردات:
1
- الضحى: انتشار نور الشمس.
7- دساها : أخفاها أو جعلها قليلة .
2
- تلاها: اتبعها.
8- طغواها : طغيانها .
3
- جلاها: أظهرها وأبرزها.
9-
عقروها: أهلكوها .
4 يغشاها: غطاها أو يلبسها السواد.
10- دمدم: عذب وعاقب وأهلك.
5 طحاها: بسطها ومَهَدَها.
11- عقباها: عاقبتها .
6 زكاها: طهرها.
مكية، وعدد آياتها خمس عشر آية.
هذه السورة هي في الواقع سورة تهذيب النفس، وتطهير
القلوب من الأدران، ومعانيها تدور حول هذا الهدف. وفي مقدمتها قسم بأحد عشر مظهراً
من مظاهر الخليقة وبذات الباري سبحانه، من أجل التأكيد على أن فلاح الإنسان يتوقف
على تزكية نفسه. والسورة فيها من القسم ما لم يجتمع في سورة أخرى.
وفي المقطع الأخير من السورة ذكر لقوم ثمود باعتبارهم
نموذجاً من أقوام طغت وتمردت، وانحدرت
بسبب ترك تزكية نفسها إلى
هاوية الشقاء الأبدي، والعقاب الإلهي الشديد.
هذه السورة القصيرة في الواقع تكشف
عن مسألة مصيرية هامة من مسائل البشرية، وتبيّن نظام الإسلام في تقييم أفراد
البشر.
وفي فضيلة تلاوة هذه السورة يكفي أن نذكر حديثاً عن رسول
اللَّه "صلى الله عليه وآله" قال:
1 -
الظواهر الكونية والنفس الإنسانية:
إن اقتران النفس الإنسانية مع الظواهر الكونية كالشمس والقمر والأرض والسماء والليل والنهار، مع ما تتضمنه هذه الظواهر من عظمة يدلُّ على عظمة النفس الإنسانية ومدى دورها في هذا الكون العظيم.
فموضوع النفس الإنسانية موضوع خطير وعظيم؛ كعظمة السماء
والأرض والشمس والقمر... فهي( أي النفس الإنسانية ) تستحق الاهتمام من الإنسان
ومعرفة ما يصلحها وما يفسدها، كما أن هذه الظواهر تستحق التفكُّر.
من هنا تعمل هذه الأقسام على تحريك الفكر في الإنسان كي
يمعن النظر في هذه الموضوعات الهامة من عالم الخليقة، وليتخذ منها سبيلاً إلى
اللَّه تعالى.
فالشمس مثلاً: ذات دور هام وبنّاء جداً في الموجودات
الحيّة على ظهر البسيطة. فهي إضافة إلى كونها مصدراً للنور والحرارة، وهما عاملان
أساسيان في الحياة الأرضية، تعتبر مصدراً لغيرهما من المظاهر الحياتية. حركة
الرياح، وهطول الأمطار، ونمو النباتات، وجريان الأنهار والشلالات، بل حتى نشوء
مصادر الطاقة مثل النفط والفحم الحجري، كل واحد منها يرتبط بنظرة دقيقة بنور الشمس.
ولو قدر لهذا المصباح الحياتي أن ينطفئ يوماً لساد
الظلام والموت في كل مكان.
هذا جانب من التفكُّر في بعض ما أقسمت به هذه السورة
المباركة وهو جزء بسيط جدّاً من هذا الكون الشاسع.
« الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق
السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار »
(3).
كلّما ازداد عدد أقسام القرآن ازدادت أهميّة الموضوع.
وفي هذه السورة المباركة أكبر عدد من الأقسام، ثم جاء التركيز على أن النجاح
والفلاح في تزكية النفس، وأن الخيبة والخسران في ترك التزكية. وهذه في الواقع أهم
مسألة في حياة الإنسان، والقرآن إذ يطرح هذه الحقيقة إنما يؤكد على أن فلاح
الإنسان لا يتوقّف على جمع المال والمتاع الفان ونيل المنصب والمقام، ولا على
أعمال أشخاص آخرين كما هو معروف عند
المسيحيين بشأن ارتباط فلاح الإنسان بتضحية المسيح بل الفلاح يرتبط بتزكية النفس وتطهيرها وسموها في ظل الإيمان
والعمل الصالح.
وشقاء الإنسان ليس أيضاً وليد قضاء وقدر اجباريين، ولا
نتيجة مصير مرسوم، ولا بسبب فعل هذا أو ذاك، بل هو بسبب التلوّث بالذنوب والانحراف
عن مسير التقوى.
وفي التاريخ نماذج عديدة تؤكِّد هذه الحقيقة، أقصد أن
فلاح الإنسان إنما هو بعمله وبإرادته وصبره وتزكيته لنفسه.
نعطي حادثة يرويها التاريخ فيها عبرة لمن اعتبر، وازدجار
لمن ازدجر، ففي الروايات أن زوج العزيز
زليخا قالت ليوسف لما أصبح
حاكم مصر: إن الحرص والشهوة تصير الملوك عبيداً، وأن الصبر والتقوى يصيّر العبيد
ملوكاً، فقال يوسف "عليه السلام": قال اللَّه تعالى:
وعنها أيضاً قالت لما رأت موكب يوسف مارّاً من أمامها:
الحمد للَّه الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيداً، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكاً.
3 -
عاقبة أمّة لم تهذِّب نفسها:
الفلاح والخيبة الناتجان عن تزكية النفس وعدمها، غير مقتصرين
على الإنسان الفرد بل هذه السنّة الإلهية تنطبق على الأمم، والآيات الأخيرة من هذه
السورة المباركة تشير إلى هذه السنّة الإلهية، فتتحدّث عن مصير قوم «ثمود» بعبارات
قصيرة قاطعة ذات مدلول عميق.
فقوم ثمود من أقدم الأقوام التي سكنت منطقة جبلية بين
الحجاز والشام كانت لهم حياة رغدة مرفهة، وأرض خصبة، وقصور فخمة، غير أنهم لم
يؤدوا شكر هذه النعم، بل طغوا وكذبوا نبيهم صالحاً، واستهزأوا بآيات اللَّه، فكان
عاقبة أمرهم أن أبيدوا بصاعقة سماوية.
ثم تستعرض مقطعاً بارزاً من طغيان القوم وتقول: إذ انبعث
أشقاها، وأشقى ثمود، هو الذي عقر الناقة التي ظهرت باعتبارها معجزة بين القوم،
وكان قتلها اعلان حرب على النبي صالح "عليه السلام".
هذا ويلاحظ أن قاتل الناقة شخص واحد أشارت إليه الآية:« إذ
انبعث أشقاها ».
بينما نسب العقر إلى قوم ثمود جميعاً
« فعقروها »، وهذا
يعني أن كل هؤلاء القوم كانوا مشاركين في الجريمة؛ وذلك لأن هذه الجريمة تمّت برضا
القوم فهم شركاء في الجريمة بهذا الرضا.
وعن أمير المؤمنين علي "عليه السلام" قال: « إنما
عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللَّه بالعذاب لمّا عموه بالرضا، فقال سبحانه: « فعقروها
فأصبحوا نادمين ».
1
- ماذا يراد من تزكية النفس؟
2
- ماذا تعرف عن ناقة نبي اللَّه صالح "عليه السلام"؟
3
- ما هي المناسبة في ذكر قصة الناقة؟
4
- اقتران النفس مع الأقسام بمظاهر كونية ماذا يعني؟ وما هي أهمية الشمس؟
5
- ما هي الحادثة التاريخية التي تدل على أهمية تهذيب النفس؟
كلام الإمام الخميني "قدس سره" حول تزكية
النفس
إعلم أنّ الإنسان أعجوبة وله نشأتان وعالمان: نشأة
ظاهرية ملكية دنيوية وهي بدنه. ونشأة باطنية غيبية ملكوتيَّة وهي من عالم آخر.
ولنفس الإنسان وهي من عالم الغيب
والملكوت مقامات ودرجات قسَّموها بصورة
عامة إلى سبعة أقسام حيناً، وإلى أربعة أقسام حيناً آخر وحيناً إلى ثلاثة أقسام
وحيناً إلى قسمين ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية تجذب النفس نحو
الملكوت الأعلى وتدعوها إلى السعادة. وجنود شيطانية وجهلانية تجذب النفس نحو
الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء. ودائماً هناك جدال ونزاع بين هذين المعسكرين،
والإنسان هو ساحة حربهما، فإذا تغلبت جنود الرحمن كان الإنسان من أهل السعادة
والرحمة وانخرط في سلك الملائكة وحشر في زمرة الأنبياء والأولياء والصالحين.
وأما إذا تغلب جند الشيطان ومعسكر الجهل، كان الإنسان من
أهل الشقاء والغضب، وحشر في زمرة الشياطين والكفار والمحرومين.
إعلم أنَّ مقام النفس الأول ومنزلها الأسفل، هو منزل
الملك والظاهر وعالمهما. وفي هذا المقام تتألق الأشعة والأنوار الغيبية في هذا
الجسد المادي والهيكل الظاهري، وتمنحه الحياة العرضية، وتجهز فيه الجيوش، فكأنّ
ميدان المعركة هو نفس هذا الجسد، وجنوده هي قواه الظاهرية التي وجدت في الأقاليم
الملكية السبعة يعني: «الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل»، وجميع
هذه القوى المتوزعة في تلك الأقاليم السبعة هي تحت تصرف النفس في مقام الوهم،
فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية للنفس، فإذا تحكم الوهم على تلك القوى
سواء بذاته مستقلاً أو بتدخل الشيطان، جعلها أي تلك القوى جنوداً للشيطان، وبذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان الشيطان،
وتضمحل عندها جنود الرحمن والعقل، وتنهزم وتخرج من نشأة الملك وعالم الإنسان
وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان. وأما إذا خضع الوهم لحكم العقل
وكلاهما خضعا لحكم الشرع وكانت حركاتهما وسكناتهما مقيدة بالنظام والعقل والشرع،
فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محط قدم
لهم فيها.
إذاً؛ فجهاد النفس( وهو الجهاد الأكبر الذي يعلو على
القتل في سبيل الحق تعالى) هو في هذا المقام عبارة عن انتصار الإنسان على قواه
الظاهرية، وجعلها تأتمر بأمر الخالق، وتطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان
وجنوده
(4)...
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«والليل
إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن سعيكم لشتّى (4)
فأمّا من أعطى واتقى (5) وصدّق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل
واستغنى (8) وكذّب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) وما يغنى عنه ما له إذا تردى
(11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم ناراً تلظى (14)
لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذّب وتولّى (16) وسيجنّبها الأتقى (17) الذي يؤتي
ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى (20)
ولسوف يرضى (21) ».
1 - شرح المفردات:
1
- يغشى: يغطّي.
6- العسرى: اتعب والنصب الشقاء.
2
- تجلى: ظهر.
7- يغني : يقي ويحمي .
3
- شتى: مختلف ومتنوع.
8- تردى : هلك وسقط في العذاب .
4 اليسرى: العمل الصالح.
9- تلظى : تشتعل وتتوهج .
5
- استغنى: طلب الغنى.
10- يتزكى : يتطهر .
هذه السورة مكية، وعدد آياتها إحدى وعشرون
آية.
سبب النزول:
قيل في سبب نزولها أن هذه السورة في رجل كان له نخل
كثير. ومن تلك الأشجار نخلة مائلة تطل بفرعها على بيت فقير ذي عيالٍ. فكان الرجل
يمنع عياله ( الفقير ) من أخذ ما يسقط من النخلة في الدار وإذا أكل أحدهم شيئاً
منها أدخل إصبعه في فيه وأخرجه. فشكا الفقير إلى النبي صلى الله عليه وآله . فعرض
النبي على الرجل أن يعطيه إياه مقابل نخلة في الجنة فرفض. إلا أن أحد المؤمنين
اشتراه منه بأربعين نخلة وقام بإعطاء تلك النخلة للنبي صلى الله عليه وآله الذي بادر إلى بيت الفقير ليعلمه بأن
النخلة أصبحت ملكه. فأنزل اللَّه هذه السورة
(5).
هذه السورة تحمل كل خصائص السور المكية من قِصَر في
الآيات، وحرارة في طرح المحتوى، وتركز أساساً على القيامة وعلى ما في ذلك اليوم من
جزاء وعقاب.
بعد القسم بثلاث ظواهر في بداية السورة يأتي تقسيم الناس
إلى منفقين متّقين، وبخلاء منكرين. وتذكر عاقبة كل مجموعة؛ اليسرُ والسعادة
والهناء للمجموعة الأولى، والعسرُ والضنك والشقاء للمجموعة الثانية.
وفي مقطع آخر من السورة إشارة إلى أن الهداية على اللَّه
سبحانه، وأنه تعالى أنذرهم من نار جهنم.
ثم تذكر السورة في نهايتها من يدخل هذه النار ومن ينجو
منها، مع ذكر أوصاف الفريقين.
في فضيلة تلاوة هذه السورة ورد عن النبي صلى الله عليه
وآله أنه قال:
في هذه السورة المباركة استفادات عديدة:
1
- أنها كما السورة السابقة « سورة الشمس » تحفِّز العقل والتفكير الإنساني على
النظر والتأمل في الظواهر الكونية، ولا يمرُّ عليها مروراً لا فائدة فيه.
فإن من المعروف أن الشيء الذي تراه دائماً يفقد
الاهتمام والاعتناء، فالشمس مثلاً الناس يمرّوون عليها ولا يعرفون قيمتها لأنها
دائماً في وجههم، وكذا الليل والنهار، فلذلك اعتادوا على هذه الظواهر ولم يعيروها
التأمُّل، مع ما تحمل لهم ولاستقرارهم على الأرض من أهميّة.
كما أن هذه السورة كغيرها من السور التي تأتي على ذكر
الظواهر الكونية تريد للإنسان أن ينظر إلى أبعد من أفق ذاته، ولا يحشر نفسه في
محدوديتها، وبذلك تكون نظرته شمولية للكون، فيتّسع أفق تفكيره ويكبر.
كما أن التفكر في عظمة الظواهر الكونية « المعلول،
المخلوق » يدلُّنا على عظمة موجدها « العلّة، الخالق »، وبذلك تنتعش النفس
الإنسانية بالإيمان والتقوى والصلاح والطمأنينة.
السورة المباركة أيضاً تُلفت إلى إزدواجية الحياة الإنسانية،
وأن هناك أنثى وذكر، رجل وامرأة، ولكلٍّ منهما قيمته عند اللَّه، فلولا الرجل ما
كانت المرأة، ولولا المرأة ما كان الرجل، ولا عمرت الأرض بسكّانها. فالمرأة والرجل
شريكان في هذه الحياة، وعلى كلٍّ منهما أن يقوم بدوره وأن يأخذ حقّه ويعطي الحق
للآخر.
والمراجع للتاريخ يرى أن الإنسانية ظلمت المرأة عند كل
مفصل تبتعد فيه عن الرسائل الإلهية.
فمثلاً عند عرب الجاهلية لم يكن للمرأة وزناً، وكانت لا
ترث، وزواجها يرجع إلى أمر وليها من دون أن يكون لها حق الاعتراض ولا المشورة، حتى
أن الولد يمنع أرملة أبيه من الزواج.
وكانت المرأة تمنع من الزواج إلا من قريبها لوجود حقّ
الدم عليها وكانوا يفرحون إذا ولد لهم ولد ذكر، ويغتمون إذا ولد لهم أنثى، إلى
حدِّ وأد البنات ودفنها حيّة، كما يذكر القرآن الكريم في عدِّة آيات:
« وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّاّ وهو كظيم »
(7).
«وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت »
(8).
ففي التوراة المحرّفة: «درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث
ولأطلب حكمته وعقلاً، ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدت أمرّ من
الموت المرأة التي هي شباك، وقلبها أشراك، ويداها قيود،... رجلاً واحداً بين ألف
وجدت أما امرأة فبين كل أُولئك لم أجد».
ولم ينحصر الظلم بعرب الجاهلية بل حتى بعض الفلاسفة،
ظلموا المرأة بآرائهم، يقول الفيلسوف «روسّو»: «إن المرأة لم تخلق للعلم ولا
للحكمة ولا للتفكير ولا للفن ولا للسياسة، وإنما خلقت لتكون أمّاً تغذي أطفالها
بلبنها».
هذا كله بخلاف الإسلام الذي رفع من قيمة المرأة وعرّفها
حقيقتها وأكّد مسؤوليتها كما الرجل، في كثير من آيات القرآن، ومنها هذه الآيات: « وما خلق الذكر والأنثى ء إن سعيكم لشتّى ء فأمّا من أعطى
واتقى ».
كل ذلك يشمل الذكر والأنثى، فكلاهما مسؤول وكلاهما مثاب
أو معاقب.
لذلك يقول تعالى مؤكّداً مسؤولية المرأة، وقدرتها على
التكامل الإنساني كما الرجل:
إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة.
فقوله تعالى: « إن سعيكم لشتى ».
يشير إلى حريّة الإرادة الإنسانية ذكراً كان أو أنثى وكون الإنسان مريداً مختاراً للطريق الذي
يسلكه إما التقى فالجنة وإما التكذيب للَّه ورسوله فالنار.
ثم أن قوله تعالى: « إن علينا للهدى ».
إشارة إلى أن اللَّه تعالى لم يترك الإنسان دون أن يعطيه
سبل الهداية، حيث خلقه عاقلاً مختاراً، وأرسل له الرسل وأنزل الكتب الإلهية؛ لا
سيما خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وآله ، وخاتمة الرسالات الإسلام العظيم،
والقرآن الحكيم.
1
- ما معنى قوله سبحانه: « إن سعيكم لشتّى »؟
2
- تتحدث السورة عن مجموعتين من الناس تحدث عنهما تفصيلاً؟
3-
فسّر قوله تعالى: « وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى »؟
4- كيف تصوِّر وضع المرأة تاريخياً، وماذا
فعل الإسلام لها؟
5
- كيف تستفيد من السورة الهداية والإرادة؟
روي عن ابن عباس في نزول هذه السورة:
«
أن رجلاً كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل
الدار وصعد النخلة ليأخذ منها التمر، فربما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير،
فينزل الرجل من النخلة حتى يأخذ التمر من أيديهم، فإن وجدها في فيه أحدهم أدخل
إصبعه حتى يأخذ التمرة من فيه. فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وآله ،
وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله : إذهب.
ولقي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله صاحب النخلة فقال: تعطيني نخلتك المائلة
التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة؟
فقال له الرجل: إن لي نخلاً كثيراً، وما فيه نخلة أعجب
إليَّ تمرة منها.
قال: ثم ذهب الرجل.
فقال رجل كان يسمع الكلام من رسول اللَّه صلى الله عليه
وآله : يا رسول اللَّه أتعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتا؟
قال صلى الله عليه وآله : نعم.
فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه فقال له: أشعرت
أن محمداً أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت له يعجبني تمرتها وإن لي نخلاً كثيراً
فما فيه نخلة أعجب إليَّ تمرة منها؟
فقال له الآخر: أتريد بيعها؟
فقال: لا إلا أن أعطى ما لا أظنه أعطى.
قال: فما مُناك؟
قال: أربعون نخلة.
فقال الرجل: جئت بعظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين
نخلة؟!
ثم سكت عنه، فقال له: أنا أعطيك أربعين نخلة.
فقال له: أَشْهِدْ إن كنت صادقاً.
فمرّ إلى أناس فدعاهم فأشهد له بأربعين نخلة، ثم ذهب إلى
النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا
رسول اللَّه إن النخلة صارت في ملكي، فهي لك.
فذهب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى صاحب الدار، فقال له: النخلة لك
لعيالك. فأنزل اللَّه تعالى: «والليل إذا يغشى...»
(10).
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك
(4)فإن مع العسر يسراً(5) إن مع العسر يسراً (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك
فارغب (8) ».
1 - شرح المفردات:
1
- نشرح: نبسط.
4- العسر : الشدة والضيق
.
2
- الوزر: الحمل الثقيل.
5- اليسر : الراحة .
3
- أنقض: أثقل كسر.
6- النصب :التعب .
نزلت هذه السورة في مكة: عدد آياتها
ثمانية.
المعروف أنّ هذه السورة نزلت بعد سورة «الضحى» ومحتواها
يؤيد ذلك، لأنّها تسرد أيضاً قسماً من الهبات الإلهية لرسوله الأكرم "صلى
الله عليه وآله".
في سورة الضحى عرض لثلاث هبات إلهية بعضها مادية وبعضها
معنوية، وفي هذه السورة ذكر لثلاث هبات أيضاً غير أن جميعها معنوية. وتدور السورة
بشكل عام حول ثلاثة محاور:
الأول: بيان النعم
الثلاث.
الثاني: تبشير النبي
بزوال العقبات أمام دعوته.
والآخر: الترغيب في
عبادة اللَّه الواحد الأحد.
ولذلك ورد عن أهل البيت "عليهم السلام" ما
يدّل أنّ هاتين السورتين سورة واحدة كما ذكرنا، ووجب قراءتهما معاً في الصلاة
لوجوب قراءة سورة كاملة بعد الحمد.
وبشأن مكان نزول السورة، يتبيّن أنها نزلت في مكة، ولكن
آية:« ورفعنا لك ذكرك ».
حدت بالبعض إلى الاعتقاد أنّها نزلت في المدينة، حيث
ارتفع ذكر النبي "صلى الله عليه وآله" وشاع صيته في كل مكان، وليس هذا
الدليل بتام، لأنّ النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" ذاع صيته قبل
الهجرة رغم كل العقبات والمشاكل وكان الحديث عن دعوته على الألسن في جميع المحافل،
كما إن خبر الدعوة انتشر في الحجاز عامة والمدينة خاصة من خلال الوافدين على مكة
في موسم الحج.
في فضيلة هذه السورة ورد عن النبي الأكرم "صلى الله
عليه وآله" أنه قال: «من قرأها أعطى من الأجر كمن
لقي محمداً مغتماً ففرج عنه»
(11).
السورة المباركة فيها العديد من الاستفادات منها:
1
- شرح الصدر:
مسألة شرح الصدر وردت في العديد من الآيات القرآنية، ففي
سورة الأنعام، الآية/125، قال تعالى:
«
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً
كأنما يصّعّد في السماء ».
وفي سورة النحل، الآية/106، قال تعالى: « ولكن من شرح
بالكفر صدراً ».
وفي سورة طه، الآية/25، بخصوص دعاء النبي موسى
"عليه السلام" قال تعالى: « قال رب اشرح لي صدري ».
وفي سورة الزمر، الآية/22، قال تعالى: «أفمن شرح الله
صدره للإسلام فهو على نور ».
وفي هذه السورة( الانشراح ): «ألم نشرح لك صدرك ».
وهنا نقف على بعض استفادات هذه الآيات:
أ- - الهداية وشرح الصدر في الإسلام:
فآية الأنعام/125، وآية الزمر/22، تشيران بوضوح أن
اللَّه يهدي وينير طريق من شرح صدره للإسلام وآمن بعقيدته(باللَّه تعالى
وبالأنبياء ومنهم رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله" واليوم الآخر يوم
الجزاء)، أما من شرح صدره للكفر(النحل/106)، وضلَّ عن الإسلام فهو ضيِّق الصدر.
وهذه حقيقة ترونها بوضوح إذا قارنتم بين المسلم الذي شرح
صدره للإسلام بكل تعاليمه، وبين الكافر أو المنافق أو الفاسق الذين أقفلوا صدورهم
عن الإسلام.
فالصنف الأوّل، منشرح الصدر والعقل، مطمئن الروح، مستقر
النفس، والصنف الثاني، ضيق الصدر والفكر، قلق الروح، خائف النفس، وهذه حقيقة لا شك
فيها.
ولا نريد أن نأتي بتقارير عن المأزق والضيق الروحي
والنفسي والعقلي والحياتي الذي يعيش فيه الصنف الثاني، فالتقارير كثيرة تملأ صفحات
الجرائد والمجلات، فهذا يقتل، وذاك ينتحر، وآخر مريض نفسيّاً في المصحّات، إلى آخر
الأوبئة الفردية والاجتماعية.
هنا هو الروح والفكر، وهذه الكناية ترد كثيراً، والمقصود
من «الشرح» هو اتساع الروح وارتفاع الفكر وانفساح أفق العقل البشري، لأن تقبّل
الحق يستدعي التنازل عن الكثير من المصالح الشخصية، مما لا يقدر عليه إلا ذوو
الأرواح العالية والأفكار السامية.
ثبت اليوم علمياً أن الهواء المحيط بالأرض مضغوط وصالح
لتنفس الإنسان، ولكننا كلما ارتفعنا قلّت كثافة الهواء ونسبة وجود الأوكسجين فيه،
بحيث أننا إذا ارتفعنا بضع كيلومترات أصبح من الصعب أن نتنفّس بسهولة(بغير قناة
الأوكسجين)، وإذا ما واصلنا صعودنا ازداد ضيق تنفسنا وأصبنا بالاغماء، إن ذكر هذا
التشبيه في سورة(الأنعام/125)، وفي زمن نزول القرآن، قبل أن تثبت هذه الحقيقة
العلمية يعتبر واحدة من معجزات القرآن العلمية.
د -- في خصوص الآية «ألم نشرح لك صدرك»
في سورة الانشراح:
بعد أن عرفنا أهمية شرح الصدر للإسلام، ومدى ضرورتها
للإنسان المسلم لهدايته وارتقائه الفكري والمعنوي، نعلم مدى أهميّة ذلك للأنبياء
والرسل؛ حيث كلّما كان دور الإنسان أعظم كانت الحاجة إلى شرح الصدر أعظم.
لذلك نرى النبي موسى "عليه السلام" يدعو ربَّه،
عندما أمره بالذهاب إلى فرعون «ربِّ اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري».
فلا يمكن لقائد كبير أن يجابه العقبات دون انشراح الصدر،
ومن كانت رسالته أعظم (كرسالة النبي "صلى الله عليه وآله") كانت الضرورة
لشرح صدره أكبر، كي يبلِّغ الناس رسالة اللَّه بفكر واسع، وروح شجاعة صابرة؛ كي لا
تزعزعه الأزمات، ولا تثني عزمه الصعاب، ولا تبعث مكائد الأعداء اليأس في نفسه.
والمتمعن في حياة الأنبياء وخاصة رسول اللَّه "صلى
الله عليه وآله" الذي قال:
يرى مدى تحملهم لأقوامهم وصبرهم على آذاهم.
يفهم كثير من الناس الإسلام فهماً خاطئاً، فمثلاً: البعض
يحسب أن الإسلام يحبس الإنسان في ذاته، ويكبت طموحاته حتى ولو كانت شريفة، ولا
يرضى للإنسان أن يكون مشهوراً بالمطلق؛ هذه النظرة تنفيها العديد من الآيات ومنها
هذه الآية، حيث عدّ اللَّه من النعم على رسول اللَّه « رفع الذكر » الذي يعني
الاشتهار بالذكر المرتفع الحسن.
فلا ضير
أن يكون المؤمن مشهوراً بالفكر الواسع، والأخلاق الحسنة، والفضائل الكريمة، طالما
أنها في رضا اللَّه لا رضا الذّات.
فهذا محمد "صلى الله عليه وآله" الفقير اليتيم
أصبح رسول اللَّه، فاسمه مع الإسلام والقرآن قد ملأ الآفاق، وأكثر من ذلك اقترن
اسمه باسم اللَّه سبحانه في الآذان يرفع صباح مساء على المآذن، والشهادة برسالته
لا تنفك عن الشهادة بتوحيد اللَّه...
وفي الفضائل والمكارم والذكر الحسن فليتنافس المتنافسون.
هذه الحقيقة ينبغي أن تظل في القلوب، خاصة عند الضيق
والمشاكل والمتاعب والفقر، لقد أكّد اللَّه تعالى هذه الحقيقة مرّتين، فلن يبقى
الفرد ولا الأمة على حالة الضيق، فإن مع الضيق سعة، ومع الفقر غنى، ومع الشدّة
فرج، وهذا ما نتعلمه من حياة رسول اللَّه والمسلمين الأوائل الذين كانوا في أشد
ضيق، من الحصار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، فأشرق الفرج من بعد العسر.
فالآية تؤكّد صفة التفاؤل في نفس المؤمن، وتبعد عنه
هواجس التشاؤم والقلق.
4 -
العمل الدائم والاعتماد على اللَّه تعالى:
«فإذا
فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب ».
ذكر المفسرون لتفسير الآيتين معانٍ:
إذا فرغت من فريضة الصلاة فادع اللَّه
واطلب منه ما تريد.
أو عند فراغك من أمور الدنيا ابدأ بأمور
الآخرة والصلاة وعبادة الرب.
أو عند فراغك من الواجبات توجه إلى
المستحبات التي حث اللَّه عليها.
أو عند فراغك من جهاد الأعداء انهض إلى
العبادة.
أو عند فراغك من جهاد الأعداء ابدأ بجهاد
نفسك.
أو عند انتهائك من أداء الرسالة انهض لطلب
الشفاعة.
أو
كما عن الحسكاني، حيث روى عن الصادق "عليه السلام" في « شواهد
التنزيل » في تفسير الآية: إذا فرغت فانصب علياً بالولاية.
أو كما عن
القرطبي في تفسيره حيث روى عن بعضهم
أن معنى الآية: إذا فرغت فانصب إماماً يخلفك.
ولكن كل هذه المعاني يجمعها معنى عام، وهدفها أن تحث
النبي باعتباره قدوة والمسلمين على عدم الخلود إلى الراحة،
وتدعوه إلى السعي والعمل الدائم، اعتماداً واتكالاً على اللَّه تعالى.
1
- لماذا تكررت الآية «إن مع العسر يسراً» مرتين؟
2
- ما هو المقصود من شرح الصدر؟
3
- اذكر المعجزة القرآنية؟
4
- هل الشهرة مذمومة مطلقاً؟
5
- ما الذي تؤكده آية «مع العسر يسراً»؟
الأشدّ عبادة:
عن سليمان بن معلّى بن خنيس، عن أبيه، قال: سأل أبو عبد
اللَّه "عليه السلام" عن رجلٍ
وأنا عنده فقيل له: أصابته
الحاجة.
قال: فما يصنع اليوم؟
قيل: في البيت، يعبد ربّه.
قال: فمن أين قوته؟
قيل: من عند بعض إخوانه؟
فقال أبو عبد اللَّه "عليه السلام":
الرسول وثعلبة:
إنّ «ثعلبة بن خاطب» كان من الأنصار
قال للنبي "صلى الله عليه وآله": ادعُ اللّه أن يرزقني مالاً.
فقال "صلى الله عليه وآله":
«يا
ثعلبة، قلي تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه، أما لك في رسول اللّه أسوة حسنة؟
والذي نفسي بيده، لو أردتُ أن تسيرَ الجبال معي ذهباً وفضّةً لسارت».
ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول اللّه ادع اللّه أن
يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق، لئن رزقني اللّه مالاً لأعطينَ كلّ ذي حقٍ حقّه.
فقال "صلى الله عليه وآله": «اللّهم ارزق
ثعلبة مالاً».
قال: فاتّخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود. فضاقت عليه
المدينة. فتنحّى عنها، فنزل وادياً من أوديتها، ثم كثرت نمواً حتى تباعدَ عن
المدينة، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث رسول اللَّه "صلى الله عليه
وآله" إليه المصدّق ليأخذ الصدقة، فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلاّ أُخت الجزية،
فقال رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله":
العقل:
فقال رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله": «كيف
عقل الرجل»؟
فقالوا: يا رسول اللَّه! نخبرك عنه باجتهاده في العبادة
وأصناف الخير تسألنا عن عقله؟
فقال "صلى الله عليه وآله": «إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنّما يرتفع
العباد غداً في الدرجات وينالون الزُّلفى من ربهم على قدر عقولهم»
(14).
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
إنّا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من
ألف شهر (3) تنزّل الملائكة والروح
فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5) ».
1
- شرح المفردات:
1
- ليلة القدر: هي ليلة يقدِّر اللّه فيها مصير البشر وتعين بها مقدراتهم.
2
- الروح: مخلوق عظيم يفوق الملائكة
(15).
2
- هوية السورة:
هذه السورة مكية، وآياتها خمسة.
محتوى السورة كما هو واضح من اسمها بيان نزول القرآن
الكريم في ليلة القدر، وبيان أهمية هذه الليلة وبركاتها.
وحول مكان نزولها في مكة أو المدينة، المشهور بين
المفسرين أنها مكية واحتمل بعضهم أنها مدنية، لما روي أن النبي "صلى الله
عليه وآله" رأى في منامه « بني أمية » يتسلقون منبره، فصعب ذلك على النبي
وآلمه، فنزلت سورة القدر تسلية ( لذلك قيل إن ألف شهر في السورة هي مدة حكم بني
أميَّة ). ونعلم أن منبر النبي أقيم في مسجد المدينة لا في مكة
(16).
لكن المشهور
كما قلنا أنها مكية، وقد
تكون الرواية من قبيل التطبيق لا سبباً في النزول. ويكفي في فضيلة تلاوتها ما روي
عن النبي "صلى الله عليه وآله" قال: « من
قرأها أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر »
(17).
وعن الإمام محمد بن علي الباقر "عليه السلام"
قال: «من قرأ إنا أنزلناه بجهر كان كشاهر سيفه في سبيل
اللّه، ومن قرأها سراً كان كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه»
(18).
وواضح إن كل هذه الفضائل في التلاوة تزداد وتتأكد لمن
يقرأها ويفهمها ويعمل بها... من يقدر القرآن حق قدره ويطبق آياته في حياته.
في الإسلام العظيم اهتمام ببعض الأمكنة والأزمنة، فلقد
جعل بعضها مباركة وفيها خصوصية عن غيرها، فمثلاً بارك المسجد الحرام والكعبة
المكرمة والمسجد الأقصى إلى غير ذلك من الأمكنة، وبارك شهر رمضان وجلّل الأشهر
الحرم( ذي القعدة ذي الحجة رجب محرّم) وبارك ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن
العظيم : « إنّا أنزلناه في ليلة القدر ».
أما بخصوص تسميتها بليلة القدر فقد قيل الكثير في ذلك:
أ - سميت بالقدر لقدر منزلتها وعلو شرفها.
ب - لأن القرآن بكل قدره ومنزلته نزل على الرسول
"صلى الله عليه وآله" بواسطة الملك العظيم في هذه الليلة.
ج - إنها الليلة التي قدِّر فيها نزول القرآن.
د - إنها الليلة التي من أحياها نال قدراً ومنزلة.
ه - إنها الليلة التي تنزل فيها الملائكة حتى تضيق بهم
الأرض لكثرتهم، لأن القدر جاء بمعنى الضيق، كما في قوله تعالى:
و - وهو التفسير الأشهر: إنها الليلة التي تعين فيها
مقدرات العباد لسنة كاملة، كما يشهد لذلك قوله تعالى:
وقد ورد في بعض الروايات: في هذه الليلة تعين مقدرات
الناس لسنة كاملة، وهكذا أرزاقهم، ونهاية أعمارهم، وأمور أخرى تفرق وتبين في تلك
الليلة المباركة.
وهنا يجرُّنا الحديث إلى معنى القدر:
فهل تعني مسألة «القدر» الجبر، كما يرى الجبريون أن
الإنسان في أعماله وأقواله وسلوكه ليس مختاراً، أو أن المسألة على العكس من ذلك
كما يرى المفوِّضون، حيث يعتقدون بالتفويض أي أن اللَّه خلقنا وترك كل شيء بيدنا،
ولا يعود أي دخل له في أعمالنا، وبناء على ذلك يكون لنا الحرية الكاملة والاستقلال
التام فيما نفعل بلا منازع.
أو أن المسألة ليست جبراً ولا تفويضاً، الصحيح الذي ينسجم مع عدالة اللَّه تعالى
والإيمان بتوحيده هو هذا، كما ورد
عن الإمام الصادق "عليه السلام": « لا جبر ولا تفويض إنما أمر بين أمرين
».
وفي ذلك كلام موسَّع نتركه لدروس العقائد، ولكن المسألة
المهمّة التي ينبغي طرحها هنا، أن كثيراً من الغربيين استغل قضية «القضاء والقدر»
واعتبر أن الاعتقاد بهذه المسألة هي إحدى العلل بل العلّة الأساس في انحطاط
المسلمين.
يقول «واشنطن أروفك» في كتابه حياة محمد: «... وقد عدّ بعض المسلمين مذهب الجبر القائل بأن الإنسان غير
مختار في اجتنابه المعاصي وخلاصه من الجزاء، فلا إرادة له في هذا المجال، عدوّه
منافياً للعدل والرحمة الإلهيين، كما وجدت فرق تسعى لتعديل هذا المذهب المحيِّر...
وهل هناك عقيدة أفضل من هذه العقيدة تستطيع أن تحرِّك الجنود... ولكن هذه العقيدة
كانت تحمل في نفس الوقت سمَّها الزعاف الذي قتل النفوذ الإسلامي...»
(21).
ويقول ديورانت: «وهذا الإيمان
بالقضاء والقدر جعل الجبريّة من المظاهر الواضحة في التفكير الإسلامي... وبفضل هذه
العقيدة لاقى المؤمنون أشد صعاب الحياة بجنان ثابت، ولكنها أيضاً كانت من الأسباب
التي عاقت تقدُّم العرب وعطلت تفكيرهم في القرون المتأخرة»
(22).
ولكن نقول أن كلامهم صحيح على القول بالجبرية
(23)،
أما من يعتقد اعتقاد أهل البيت "عليهم السلام" فإنه لا يرد عليه مثل هذا
الإشكال.
2 -
اللَّه لم يقطع الصلة بخلقه(المدد الغيبي):
هذا وفي سورة القدر تأكيد على أن اللَّه تعالى لم يخلق
الخلق ويتركهم، إنما هناك تواصل بين السماء والأرض، حيث تتنزل الملائكة إلى الأرض
ويطّلعون على أحوال الناس، وهذا تسلية لقلوب المؤمنين، فليس الأمر كما قال
المفوِّضة، أو كما قال اليهود: « وقالت اليهود يد الله
مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ...»
(24).
والآيات في الكتاب الكريم كثيرة، التي تؤكد على أن
اللَّه عليم بخلقه.
يقول تعالى:
« واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه »
(25).
« أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون»
(26).
« وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم »
(27).
« والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم »
(28).
إلى غير ذلك الكثير من الآيات التي تؤكد أن اللَّه مطلع
على شؤون خلقه، ولم يتركهم، وهذا ما يؤكده الأمر بالدعاء:
« ادعوني أستجب لكم »
(29).
« وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان
فليستجيبوا لي ...»
(30).
« أمّن يجيب المظطر إذا دعاه ويكشف السوء »
(31).
وورد في الحديث: « إذا دعوت
فظن حاجتك بالباب »
(32).
وورد في دعاء زين العابدين "عليه السلام": ( اللهم
إني أجد سبل المطالب إليك مشرعة، ومناهل الرجاء لديك مترعة، والاستعانة بفضلك لمن
أمّلك مباحة، وأبواب الدعاء إليك للصارخين مفتوحة، واعلم أنك للراجين بموضع إجابة،
وللملهوفين بمرصد إغاثة)
(33).
1
- نعرف أن القرآن نزل تدريجياً مدة 23 عاماً، فكيف توقف بين ذلك ونزوله في ليلة
واحدة هي ليلة القدر؟
2
- ما المراد ب(الروح) في قوله تعالى: « تنزّل الملائكة والروح »؟
3
- ما هو القول المشهور في وجه تسمية ليلة القدر؟
4
- ما هي القدر وما هو رأي أهل البيت، واذكر حديث الصادق "عليه السلام"؟
5
- كيف تصوّر عدم قطع علاقة اللَّه تعالى مع البشر؟
خطبة النبي "صلى الله عليه وآله" في فضل شهر
رمضان وأعماله:
روى الصدوق بسند معتبر عن الرضا "عليه السلام"
عن آبائه، عن أمير المؤمنين "عليه السلام" قال:
«إن
رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله" خطبنا ذات يوم، فقال:
أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر اللَّه بالبركة
والرحمة والمغفرة، شهر هو عند اللَّه أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه
أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة اللَّه، وجعلتم
فيه من أهل كرامة اللَّه، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول،
ودعاؤكم فيه مستجاب، فسلوا اللَّه ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم
لصيامه، وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران اللَّه في هذا الشهر العظيم،
واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه، جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم
ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا
عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على
أيتام الناس، يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إليه من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم
بالدعاء، في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات، ينظر اللَّه( عزَّ وجلَّ) فيها
بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه..
أيها الناس: إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكوها
باستغفاركم وظهوركم ثقيلة من أوزاركم، فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن اللَّه
تعالى ذكره، أقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين، وأن لا يروعهم بالنار يوم
يقوم الناس لرب العالمين..
أيها الناس: من فطَّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر،
كان له بذلك عند اللَّه عتق رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه، قيل يا رسول اللَّه "صلى الله عليه
وآله" وليس كلنا يقدر على ذلك فقال "صلى الله عليه وآله" اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار
ولو بشربة من ماء فإن اللَّه يهب ذلك الأجر لمن عمل هذا اليسير، إذا لم يقدر على
أكثر منه..
يا أيها الناس: من حسن منكم في هذا الشهر خلقه، كان له
جواز على الصراط، يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه، خفف
اللَّه عليه حسابه، ومن كف فيه شره، كف اللَّه عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه
يتيماً أكرمه اللَّه يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه، وصل اللَّه برحمته يوم يلقاه،
ومن قطع فيه رحمه، قطع اللَّه عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة، كتب
اللَّه له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضاً، كان له ثواب من أدى سبعين فريضة
فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة عليه ثقّل اللَّه ميزانه يوم تخف
الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن، كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من
الشهور..
أيها الناس: إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة، فسلوا
ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة، فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم،
والشياطين مغلولة، فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم..».
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدارك ما القارعة (3) يوم يكون الناس كالفراش
المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن
المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفّت موازينه
(8) فأمّه هاوية (9) وما أدراك ماهيه (10) نار حامية (11) ».
1 - شرح المفردات:
1
- القارعة: من القرع وهو الطرق الشديد مع إحداث صوت شديد.
2
- الفراش: جمع فراشة وهي الحشرة المعروفة.
3
- المبثوث: المتفرق المنتشر.
4
- العهن: الصوف المصبوغ.
5
- المنفوش: المنثور.
6
- موازين: جمع ميزان وهي وسيلة لوزن الأجسام.
7
- أمه: ماواه وملجأه.
8
- هاوية: جهنم.
2 - هوية السورة:
نزلت هذه السورة في مكة المكرمة وعدد آياتها إحدى عشرة
آية.
تتناول هذه السورة بشكل عام، المعاد، ومقدماته، بتعابير
حادة، وبيان مؤثر. وإنذار صريح وواضح، حيث تصنف الناس يوم القيامة، إلى صنفين أو
جماعتين: جماعه تكون أعمالها ثقيلة في ميزان العدل الإلهي فتحظى جزاءً بذلك، حياةً
راضية سعيدة في جوار الرحمة الإلهية، وجماعه أعمالها خفيفة الوزن، فتعيش في نار
جهنم الحادة المحرقة.
وقد اشتق اسم هذه السورة، أي «القارعة» من الآية الأولى
فيها وفي فضيلتها يكفي أن نقرأ الحديث الشريف المروي عن الإمام الباقر "عليه
السلام": « من قرأ القارعة آمنه اللّه من فتنة
الدجال أن يؤمن به، ومن قيح جهنم يوم القيامة إن شاء اللّه »
(34).
السورة المباركة ككثير من سور القرآن تتحدّث عن مشاهد من
يوم القيامة؛ ولو أجلت بصرك في القرآن العظيم لرأيت مدى اهتمامه بقضية اليوم
الآخر.
فلقد كُرِّرت الأمور التي تتعلق باليوم الآخر كثيراً؛
فمثلاً يوم القيامة كُرِّر
تقريباً 70 مرّة، اليوم
الآخر 26 مرّة، الآخرة والدار الآخرة 117 مرّة، جنّة وجنّات 141 مرّة، جهنم 77
مرّة، إلى غير ذلك.
ولقد عني القرآن العظيم بمشاهد القيامة: البعث والحساب،
النعيم والعذاب، حتى عاد اليوم الآخر
من خلال بلاغة القرآن
مصوّراً محسوساً، وحيّاً متحركاً، وبارزاً شاخصاً، وعاش المسلمون في هذا
العالم عيشة كاملة: رأوا مشاهده، وتأثّروا بها، وخفقت قلوبهم واقشعرت جلودهم وسرى
في نفوسهم الفزع مرّة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولفحهم من النار شواظ، ورفّ إليهم
من النار نسيم، فأصبحوا والنار كمن قد رأوها فهم فيها معذّبون، وباتوا والجنة كمن
قد عاينها فهم فيهم منعمون.
وما اهتمام القرآن باليوم الآخر إلا لما يحمله الإيمان
باليوم الآخر من أهميّة لحياة الأمم والأفراد، حتى أن القرآن الكريم قرن كثيراً
بين الإيمان باللَّه واليوم الآخر، مما يشير إلى أن الإيمان باللَّه لا يكفي
الإنسان(الفرد والأمة) في كماله الروحي وسكينته النفسية وصلاحه الأخلاقي والسلوكي، ما لم يكن يقترن بالإيمان
باليوم الآخر.
قول القرآن الكريم:
« ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم
وأكهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون »
(35).
« يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين »
(36).
إلى كثير من الآيات التي تقرن الإيمان باللَّه مع
الإيمان باليوم الآخر.
2 -
اليوم الآخر اعتقاد غالب البشرية:
إن المراجع للتاريخ الإنساني، من البدائيين إلى
السومريين إلى البابليين إلى الآشوريين فالمصريين فالهنود فالصينيين فاليابانيين
فاليونانيين فالرومانيين فالفرس، إلى أن يأتي إلى اليهودية والمسيحية وبالطبع
الإسلام، يرى بوضوح أن البشرية تؤمن بيوم آخر؛ وإن اختلفت في التفاصيل؛ وهنا نأتي
على ذكر المسيحية في هذا المجال كمثال على اهتمام البشرية بموضوع اليوم الآخر.
لا شك في اعتقاد المسيحية باليوم الآخر فعندها «ملكوت
الرب» «والحياة الأبدية» للنعيم. وعندها جهنم والنار، و«الظلمة» للعذاب. وهناك
«يوم الدين» يوم يأتي ابن الإنسان(المسيح) مع ملائكة اللَّه. وهنا نورد بعضاً مما
جاء في العهد الجديد:
جاء في الاصحاح 16 من انجيل متى « فإن ابن
الإنسان سوف يأتي... مع ملائكته( اللَّه)، وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله. الحق
أقول لكم...».
وجاء في الاصحاح 12: «أقول لكم: إن كل
كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين ». إلى غير ذلك، إلا
أنه لا يقارن بعدد ما ورد في القرآن ولا ببلاغته.
ورد الكثير في القرآن الكريم حول الثواب والعقاب في
اليوم الآخر، ومما ورد ما في هذه السورة المباركة:
«
فأمّا من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأمّا من خفّت موازينه (8) فأمّه
هاوية (9) وما أدراك ماهيه (10) نار حامية (11) ».
ولكن هنا ملاحظة:
صحيح أن الإيمان بالآخرة وبالتالي الثواب والعقاب فيها مهم وأساسي ولكن إذا لم يتبعه أمور تعطِّل فعالية هذا الإيمان.
فمثلاً المسيحية تؤمن بالثواب والعقاب، إلا أنه دخلت أمو
عطّلت هذا القانون الإلهي العادل.
من هذه الأمور مسألة «صلب المسيح» وأنه صُلب ليفدي
النّاس من الخطيئة، أو مسألة «الاعتراف عند الكاهن» بحيث إذا اعترف المذنب تغفر
ذنوبه، أو مسألة «المسح الأخير» حيث يستمع القس إلى اعترافات المسيحي وهو يلفظ
أنفاسه الأخيرة، ويمنحه المغفرة التي تنجيه من النار، ويمسحه حتى يطهر من الخطيئة
وتصبح مستعدة للبعث أمام الحكم العدل، إلى غير ذلك من المسائل.
هذه المسائل تعطِّل قانون الثواب والعقاب، وتشجِّع الناس
على الخطيئة، وهذا ما نراه في المجتمع المسيحي، أما الإسلام فليس عنده هذه الأمور
ولا يؤمن بها، نعم عنده التوبة والغفران من اللَّه والشفاعة، ولكن هذه لا تشبه تلك
وإن كان هناك أناس يفهمونها خطأً، حيث يدخل الشيطان وتزييناته والنفس وهواها لكي
يسوّف الإنسان بالتوبة إلى آخر العمر، مع أن التوبة في آخر العمر وعند تراكم
الذنوب أمر صعب.
وحيث يمنِّى الإنسان نفسه بشفاعة الشافعين في حين أنه لم
يعرف حقيقة الشفاعة.
ألا تعرف أنه قد لا تشملك شفاعتهم "عليهم
السلام" لأن الانغمار في المعاصي يجعل القلب بالتدريج مظلماً ومنكوساً وربما
يصل الإنسان إلى الكفر، والكافر لا شفاعة له.
ثم ألا تعلم أنه إذا كانت أثقال الذنوب كثيرة يمكن ألا
يشفع الشافعون لك في البرزخ والقبر، ويمكن أن لا تصل شفاعتهم في يوم القيامة إلا
بعد مدّة طويلة، كما ورد في بعض الأحاديث.
ولا تستمع للشيطان ونفسك الأمارة حيث توعد بالرحمة
الواسعة والمغفرة الكريمة لأرحم الراحمين، فتتهاون وتنزلق في المعاصي، في حين أن
اللَّه رحيم في موضع الرحمة وشديد العقاب في موضع الشدّة، فليس صحيحاً أن ترجو
رحمة اللَّه فحسب دون أن تخافه وتخشى عقابه، وكما نقرأ في دعاء الإفتتاح:
«أيقنت
أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة وأشد المعاقبين في موقع النكال
والنقمة».
فإذن ينبغي فهم مسألة التوبة وغفران اللَّه ورحمته
والشفاعة والاستغفار فهماً صحيحاً، وإلا كانت الآخرة والثواب والعقاب لا أثر له.
1
- ماذا تتناول هذه السورة بشكل عام؟
2
- تصنّف هذه السورة الناس يوم القيامة إلى صنفين تحدث عنهما؟
3
- هل القارعة اسم للقيامة أو لمقدماتها؟
4- هل الإيمان بالآخرة اعتقاد اسلامي فحسب؟
5-
هل هناك ما يعطّل فعالية الإيمان بالآخرة في الإسلام، وكيف تصوِّر ما توهم له ذلك؟
نقطة هامة:
يقول الإمام الخميني "قدس سره":
على سالك طريق الهداية والنجاة الانتباه إلى نقطة هامة،
هي أنَّ التوفيق إلى التوبة الصحيحة الكاملة مع توفير شرائطها من الأمور الصعبة،
وقليلاً ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذا المقصد. بل إن اقتراف الذنوب وخاصة
المعاصي الكبيرة يجعلان الإنسان غافلاً عن ذكر التوبة نهائياً. وإذا ما أثمرت
وقويت شجرة المعاصي في مزرعة قلب الإنسان وتحكمت جذورها، ستكون لها نتائج وخيمة:
منها حثّ الإنسان على الانصراف كلياً عن التفكير في التوبة، وإذا تذكرها أحياناً
تكاسل في إجرائها وأجلها وقال: «اليوم أو غداً وهذا الشهر أو الشهر المقبل».
ويخاطب نفسه قائلاً: إنني أتوب آخر العمر وأيام الشيخوخة
توبة صحيحة؛ وإنه يغفل عن أن هذا مكر مع اللّه «واللّه خير الماكرين» لا يتوقع
الإنسان أنه بعد أن تقوى جذور الذنوب في نفسه، يستطيع أن يتوب أو يقوم بتوفير شروط
التوبة، إن أفضل أيام التوبة وربيعها هي فترة أيام الشباب. لأن الذنوب أقل وشوائب
القلب وظلمات الباطل أخف، وشروط التوبة أسهل وأيسر، وقد يكثر في سن الشيخوخة حرص
الإنسان وطمعه وحبه للمال ويزداد طول أمله وقد أثبتت التجربة ذلك.
والحديث النبوي الشريف
(37)
أفضل شاهد على هذه المقولة.
وإذا افترضنا أن الإنسان يستطيع بهذا العمل(التوبة) في
سن الشيخوخة. فما هو الضمان للوصول إلى سن الشيخوخة وعدم إدراكه الأجل المحتوم
أيام الشباب على حين غرّة. وهو مشغول بالذنوب والعصيان. إن انخفاض عدد المسنين
دليل على أن الموت أقرب إلى الشباب منه إلى الشيخ، إننا في المدينة التي تحتوي على
خمسين ألف نسمة لم نجد خمسين شيخاً يناهز عمر كل منهم ثمانين عاماً.
فيا أيها العزيز كن على حذر من مكائد الشيطان ولا تمكر
على اللّه ولا تحتال عليه بأن تقول أعيش خمسين عاماً أو أكثر مع الأهواء. ثم
أستغفر ربي لدى الموت وأستدرك الماضي، لأنّ هذه أفكار واهية.
إذا سمعت أو علمت من الحديث الشريف أن اللّه سبحانه
وتعالى قد تفضّل على هذه الأمة بتقبل توبتهم قبل مشاهدة آثار الموت أو عند الموت
وذلك صحيح
(38)،
ولكن هيهات أن تتحقق التوبة من الإنسان في ذلك الوقت.
هل تظن أنّ التوبة مجرد كلام يقال؟ إن القيام بالتوبة
لعمل شاق، إن الرجوع إلى اللّه والعزم على عدم العودة إلى الذنب يحتاج إلى رياضة
علمية وعملية، إذ نادراً ما يحدث للإنسان أن يفكر لوحده بالتوبة أو يتوفق إليها أو
يتوفق إلى توفير شرائط صحة التوبة وقبولها أو إلى توفير شرائط كمالها. إذ من
الممكن أن يدركه الموت قبل التفكير في التوبة أو إنجازها وينقله من هذه النشأة مع
المعاصي التي تنوء بالإنسان ومع ظلمات الذنوب اللامتناهية، وفي ذلك الوقت يعلم
اللّه وحده المصائب والمحن التي سوف يواجهها.
ليس من السهل أن يجبر الإنسان في العالم الآخر معاصيه،
إذ كان من أهل النجاة وممّن عاقبة أمره سعيدة، إذ لا بد من متاعب وضغوطات ونيرانٍ
حتى يصبح الإنسان أهلاً لرحمة أرحم الراحمين.
إذاً، أيها العزيز! عجّل في شد حيازيمك، وإحكام عزيمتك
وقوتك الحاسمة، وأنت في أيام الشباب أو على قيد الحياة في هذه الدنيا وتب إلى
اللّه، ولا تسمح لهذه الفرصة التي أنعم اللّه بها عليك أن تخرج من يدك ولا تعبأ
بتسويف الشيطان ومكائد النفس الأمارة.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون
(4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) ثم
لتسألن يومئذ عن النعيم (8) ».
1
- ألهاكم: الإلهاء الصرف إلى اللهو، واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى.
2
- التكاثر: التفاخر والمباهاة.
3
- اليقين: العلم الخالي من الشك.
4
- عين اليقين: محض اليقين.
هذه السورة مكية وآياتها ثمانية.
يعتقد كثير من المفكرين أن هذه السورة نزلت في مكة وما
فيها من ذكر للتفاخر والتكاثر، إنما يرتبط بقبائل قريش التي كانت تتباهى على بعضها
بأمور وهمية.
وبعضهم
كالمرحوم الطبرسي في مجمع البيان
يرى أنها مدنية؛ وما فيها من ذكر للتفاخر قد ورد بشأن اليهود، أو طائفتين
من الأنصار. لكن مكيتها أصح لشبهها الكبير بالسور المكية، هذه السورة تتناول في
مجموعها تفاخر الأفراد على بعضهم، استناداً إلى مسائل موهومة وتذم ذلك وتلومهم
عليه ثم تحذرهم من حساب المعاد وعذاب جهنم ومما سيسألون يوم ذاك عن النعم التي
منَّ اللَّه بها عليهم، اسم السورة... من الآية الأولى فيها.
وفي فضيلة تلاوتها ورد عن رسول اللَّه "صلى الله
عليه وآله" قال:
السورة المباركة فيها مواعظ جليلة تستأهل منّا التوقف
عندها والتأمل فيها:
1
- الإنسان وغفلته عما بعد الدُّنيا(الإنسان اللاهي والمتكاثر):
ومن الآيات المعبِّرة التي تشير إلى هذه الحقيقة: « اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم
وتكاثر في الأموال والأولاد »
(40).
هذه الآية الكريمة تؤكِّد حقيقة غفلة الإنسان عبر مراحل
عمره الخمسة.
حيث في البداية مرحلة الطفولة، والحياة في هذه المرحلة
عادة مقترنة بحالة من الغفلة والجهل واللعب.
ثم مرحلة المراهقة حيث يأخذ اللهو مكان اللعب، وفي هذه
المرحلة يكون الإنسان لاهثاً وراء الوسائل والأمور التي تلهيه وتبعده عن الأعمال
الجدية.
والمرحلة الثالثة هي
مرحلة الشباب والحيوية والحب والعشق والزينة.
وإذا ما تجاوز الإنسان هذه المرحلة فإنه يصل إلى المرحلة
الرابعة حيث تنبعث في نفسه إحساسات علو المقام والتفاخر.
وأخيراً يصل إلى المرحلة الخامسة حيث يفكر فيها بزيادة
المال والأولاد وما إلى ذلك.
فنرى أن الإنسان غالباً إلا من رحم اللَّه، يعيش الغفلة
في مراحل عمره كلها، ولا يترك للَّه تعالى، ولمعرفة حقائق الوجود، وللتفكير
بالمصير النهائي للوجود، أي مجالٍ وأي فسحة.
والآية التي نحن بصدد تفسيرها تعيش في هذا الجو: «
ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر »
وهي تشير أكثر ما تشير إلى المرحلة الخامسة من عمر
الإنسان حيث يلهيه جمع الأموال والأولاد والتفاخر بالأنساب والأقوام. ولقد عُرف عن
العرب أنهم كانوا يتفاخرون بالأموال والأنساب، ويؤسّسون حياتهم على أسس قبلية،
وهذه الآية كأمثالها تريد أن تخرج من النفوس هذه العصبية القبلية، والتفاخر بها
وبالحطام.
وهنا لفتة مهمّة من الآية الكريمة، تشير إلى أن الإنسان
يستيقظ من غفلته إما حين موته:
« وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد * ونفخ في الصور ذلك
يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك
غطاءك فبصرك اليوم حديد »
(41).
وإما حين زيارته للمقابر حيث يتذكّر أنه سيموت يوماً ما،
فيستيقظ من غفلته شيئاً ما، كما قال رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله": «اذكروا
هادم اللذات» أي الموت.
وقد احتمل المفسرون معنيين:
1
- إنكم ذهبتم إلى المقابر لتستكثروا أنفس قبيلتكم.
2
- إنكم انشغلتم بالتكاثر والتفاخر حتى لحظة موتكم وورودكم إلى المقابر.
وللإمام علي "عليه السلام" كلام بعد أن تلا: «
ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر ».
قال: «ياله أمر ما أبعده،
وزوراً ما أغفله، وخطراً ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدّكر وتناوشوهم من مكان
بعيد، أفبمصارع آبائهم يفخرون؟ أو بعديد الهلكى يتكاثرون؟ ترتجعون منهم أجساداً
خوت، وحركات سكنت، ولأن يكونوا عبراً أحق من أن يكونوا مفتخراً»
(42).
فالموت خير واعظ لمن يتعظ، ومن هنا ورد استحباب زيارة
القبور، عسى أن يقوم الإنسان من سكر الغفلة، غفلة الدنيا والاستكثار بالأموال
والأولاد، والتفاخر بالأحساب والأنساب.
« كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون ».
ورد العديد من الآيات القرآنية الكريمة التي تشير إلى أن
الإنسان لا يصبح عدماً بعد موته، بل له حياة أخرى بعد الموت، إنها حياة البرزخ،
ومن هذه الآيات: « حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب
ارجعون * لعلّي أعمل صالحاص فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ
إلى يوم يبعثون »
(43).
وذهب بعض المفسرين أن: « كلا سوف تعلمون ».
الأولى إشارة إلى عذاب القبر والبرزخ، والثانية إلى عذاب
القيامة.
في التفسير الكبير للفخر الرازي عن زر بن حبيش قال: كنا
في شك من عذاب القبر حتى سألنا علياً فأخبرنا أن هذه الآية دليل على عذاب القبر.
من الواضع أن المؤمنين ليسوا على درجة واحدة من الإيمان
بل البعض منهم لا يطلق عليهم إلا الإسلام وما آمنت قلوبهم:
« قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل
الإيمان في قلوبكم ...»
(44).
ولذلك ورد العديد من الروايات التي تشير إلى هذه
الحقيقة، فقد جعل الإمام الباقر"عليه السلام" الإيمان أعلى من الإسلام
درجة، والتقوى أعلى من الإيمان درجة، واليقين أعلى من التقوى درجة، ثم يقول:
ورغم ما يستفاد من الروايات أن اليقين هو أعلى مراحل
الإيمان، فإن له مراتب، وهي ثلاث:
1
- علم اليقين: وهو الذي يحصل للإنسان عند مشاهدته الدلائل المختلفة، كأن يشاهد
دخاناً فيعلم علم اليقين أن هناك ناراً.
2
- عين اليقين: وهو يحصل حين يصل الإنسان إلى درجة المشاهدة كأن يرى بعينه مثلاً
النار.
3
- حق اليقين « إن هذا لهو حق اليقين »
(45):
وهو كأن يدخل الإنسان النار بنفسه ويحس بحرقتها، وهذه أعلى مراحل اليقين.
4
- السؤال عن النعيم: « ثم لتسألن يومئذ عن النعيم »
(46):
قيل أن النعيم المسؤول عنه وهو نعمة السلامة، وفراغ البال، وقيل: أنه الصحة
والسلامة والأمن.
وقيل: الآية تشمل كل هذه النعم.
وروي أن أبا حنيفة سأل الإمام الصادق "عليه
السلام" عن تفسير هذه الآية فقال "عليه السلام": ما النعيم عندك يا
نعمان؟
قال: القوت من الطعام والماء البارد.
فقال "عليه السلام": « لئن أوقفك اللَّه يوم القيامة بين يديه حتى يسألك عن
كل أكلة أكلتها وشربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه قال فما النعيم جعلت فداك قال
نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم اللَّه بنا على العباد وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا
مختلفين وبنا ألّف اللَّه بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداءاً وبنا
هداهم اللَّه للإسلام وهي النعمة التي لا تنقطع واللَّه سائلهم عن حق النعيم الذي
أنعم اللَّه به عليهم وهو النبي "صلى الله عليه وآله" وعترته»
(47).
من كل هذه الروايات التي يبدو أنها مختلفة في ظاهرها نفهم أن النعيم له معنى واسع جداً يشمل كل المواهب الإلهية
المعنوية مثل: الدين والإيمان والإسلام والقرآن والولاية لأهل البيت "عليهم
السلام"، وأنواع النعم المادية الفردية منها والاجتماعي:
1
- ما هو التهديد الإلهي الذي تحتوي عليه السورة؟
2
- ما هي المراحل الخمسة، وكيف يغفل الإنسان فيها؟
3
- كيف يستيقظ الإنسان من غفلته؟
4
- ما هو الذي يشير إلى عذاب القبر؟
5
- اذكر مراتب اليقين؟
الإمام الخميني "قدس سره" في بيان نوراني:
إن الحق المتعالي قد جعل الروَّح والراحة في اليقين
والرضا والهمَّ والحزن في الشك والسخط، وذلك على أساس القسط والعدل.
لا بد وأن تعرف أن الروَّح والراحة وكذلك الهم والحزن
بسبب ذكر هذه الأمور أثر تقدير الأرزاق وتقسيمها يعودان إلى الأمور الدنيوية وكسب
العيش وطلب الرزق، وإن كان إرجاعهما إلى الأمور الأخروية على أساس بيان آخر، أيضاً
صحيحاً.
إذن: فاعلم أن الإنسان الذي يعتقد بالحق وتقديره
اعتقاداً يقيناً ويعتمد على الركن الركين القادر بصورة مطلقة الذي يقرر الأمور
بأسرها على المصالح الغيبية، وأن له سبحانه الرحمة الكاملة المطلقة وأنه الرحيم
والجواد المطلق ومن المعلوم أنه مع مثل هذا اليقين تذلل الصعاب وتهون كل المصائب،
ويختلف ويختلف كثيراً طلبه لمعيشته عن طلب أهل الدنيا وأهل الشك والشرك.
إن الذين يعتمدون على الأسباب الظاهرية يعيشون دائماً
عند طلب الرزق في حالة من القلق والإضطراب ولو اصطدموا بمشكلة، لعظمت عندهم لأنهم
لا يجدونها محفوفة بالمصالح الغيبية.
وخلاصة الكلام إن من يرى سعادته، في تحصيل هذه الدنيا.
يواجه في طلبه هذه الآلام والعناء وتسلب عنه الراحة والبهجة وتستنزف قواه وطاقاته
في هذا الطلب كما نرى أن أهل الدنيا دائماً في تعب ونصب. وأنهم لم يتمتعوا
بإطمئنان في روح واستقرار في الجسم وإذا حلّت بهم مصيبة خارت قدراتهم وحيويتهم
وزال جلدهم وصبرهم أمام الحوادث التي تداهمهم وهذا لا يكون إلا نتيجة شكهم وعدم
إيمانهم بالقضاء الإلهي وعدله. فتكون هذه الأمور من الحزن والهم والتعب نتيجة لهذا
التزلزل.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
والعصر (1) إنّ الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا
بالحق وتواصوا بالصبر (3) ».
1 العصر: هو الطرف الأخير من النهار أو هو
الزمان.
2 الخاسرون: الخائبون.
3 الحق: ما أرشد إليه دليل قاطع أو عيان
ومشاهدة.
نزلت هذه السورة في مكة، عدد آياتها ثلاثة.
المعروف أن هذه السورة مكية واحتمل بعضهم أنها مدنية
ويشهد على مكيتها لحنها ومقاطعها القصيرة.
بلغت شمولية هذه السورة درجة حدت ببعض المفسرين إلى أن
يرى فيها خلاصة كل مفاهيم القرآن وأهدافه بعبارة أخرى: هذه السورة رغم قصيرها تقدم المنهج الجامع والكامل لسعادة الإنسان تبدأ السورة من قسم
عميق المحتوى بالعصر. وسيأتي تفسيره.
ثم تتحدث عن خُسران كل أبناء البشر خسراناً قائماً في
طبيعة حياتهم التدريجية ثم أستثني مجموعة واحدة من هذا الأصل العام، وهي ذات منهج
له أربع مواد: الإيمان، والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وهذه الأصول
الأربعة هي في الواقع المنهج العقائدي والعملي الفردي والاجتماعي للإسلام.
في فضيلة هذه السورة ورد عن الإمام الصادق "عليه
السلام" قال:
«من قرأ «والعصر» في نوافله بعثه اللَّه يوم القيامة مشرقاً وجهه
ضاحكاً سنه، قريرة عينه حتى يدخل الجنة»
(49).
وواضح أن كل هذه الفضيلة وهذه البشرى نصيب من طبّق
الأصول الأربعة المذكورة في حياته، لا أن يقنع فقط بقراءتها.
العصر في الأصل الضغط، وإنما أطلق على وقت معين من
النهار لأن الأعمال فيه مضغوطة، ثم أطلقت الكلمة على مطلق الزمان ومراحل تاريخ
البشرية، أو مقطع زمني معين، كأن نقول عصر الجاهلية أو عصر الإسلام. ولذلك ذكر
المفسرون في معنى العصر احتمالات كثيرة:
1
- قيل: إنه وقت العصر من النهار.
2- إنه كل الزمان وتاريخ البشرية المملوء
بالدروس والعبر.
3
- إنه مقطع خاص من الزمن مثل عصر البعثة النبوية المباركة، أو عصر قيام المهدي
المنتظر "عجل الله تعالى فرجه".
4 بعضهم أرجعها إلى أصلها اللغوي وقال: بأن
القسم في الآية بأنواع الضغوط والمشاكل التي تواجه الإنسان في حياته، وتبعث فيه
الصحوة وتوقظه من رقاده، وتذكره باللَّه سبحانه، وتربي فيه الاستقامة.
5 وقيل: أنها إشارة إلى «الإنسان الكامل»
الذي هو في الواقع عصارة عالم الوجود والخليقة.
6 وقيل: إن الكلمة يراد بها صلاة العصر،
لأهميتها الخاصة بين بقية الصلوات، لأنها الصلاة الوسطى التي أمر اللَّه أن يحافظ
عليها.
ومهما يكن من شيء، فإن اللَّه سبحانه وتعالى يقسم
كثيراً بالزمان، كما في قوله تعالى: « والضّحى ».
في سورة الضحى، الآية/1.
وفي قوله تعالى: « والصبح إذا أسفر ».
في سورة المدثر، الآية/34.
وما تلك الأقسام بالزمان إلا للإشارة إلى أهميَّة الزمان
والعُمر في حياة الإنسان، فعليه أن يعرف جيّداً كيف يستغل عمره في الانتفاع لدنياه
وآخرته، ولا يقتله في مضرّة دنياه وآخرته. وإذا تطلّع الإنسان إلى الزمان الذي
يعيشه لرآه قصيراً جدّاً، إلا أن غفلة الإنسان عن الآخرة، توهمه أنه سيعيش إلى
الأبد.
لو عرف الإنسان كيف تتبدّل خلايا جسده، وكيف يستهلك كل
يوم آلاف الخلايا من مخه، دون أن يستعيض عنها شيئاً، وكيف يتسارع ما حوله من أشياء
في سبيل الفناء.
لو عرف الإنسان أن عمره بالقياس إلى عمر الأرض التي يعيش
عليها اليوم يكاد لا يكون شيئاً مذكوراً.
ولو عرف أن العمر الذي فات لا يعود، فما فات فات، واليوم
الذي أنت فيه سيفوت.
ولو عرف أنه مسؤول عن هذا العمر الذي سيعيشه:
وقال رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله":
لو عرف كل ذلك، لاستغل كلَّ ثانية بل كل جزء ثانية في
رضا اللَّه تعالى، ولما خسر عمره.
من المناسب هنا الحديث عن طول الأمل لارتباطه بخسران
العمر؛ لأن من يطول أمله ويحسب أنه سيعيش طويلاً سيقع بالتقصير في العمل فيخسر
عمره.
يقول أمير المؤمنين "عليه السلام":
ومما يشير إلى خطورة طول الأمل، كون هذه الصفة من صفات
الكافرين، يقول تعالى واصفاً لليهود:
« يودّ أحدهم لو يعمر ألف سنة »
(53).
وقد أوصى أولياء اللَّه بقصر الأمل، يقول رسول اللَّه
"صلى الله عليه وآله":
وقال "صلى الله عليه وآله" بعد ما سمع أن
أسامة اشترى شيئاً بمائة دينار إلى شهر:
ومما يعالج طول الأمل ذكر الموت الايجابي، يقول رسول
اللَّه "صلى الله عليه وآله": «أكثروا هادم اللذات».
قيل: وما هو يا رسول اللَّه؟
قال "صلى الله عليه وآله":
وفي ذكر الموت الايجابي أحاديث كثيرة.
«اللهم إني أسألك التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور
والاستعداد للموت قبل حلول الفوت»
(57).
إن السعادة الأخروية(والدنيوية طبعاً) هي في الإيمان
باللَّه وبأنبيائه ورسول اللَّه "صلى الله عليه وآله" وتعاليمه واليوم
الآخر والثواب والعقاب، ليس الإيمان فحسب، بل العمل الصالح أيضاً.
لذلك يقول تعالى في سورة أخرى:
جاء في تفسير مجمع البيان وتفاسير أخرى، أن المسلمين
وأهل الكتاب كانوا يتفاخرون بعضهم على بعض، فكان أهل الكتاب يتباهون بكون نبيهم قد
بعث قبل نبي الإسلام وأن كتابهم أسبق من كتاب المسلمين، بينما كان المسلمون
يفتخرون على أهل الكتاب بأن نبيهم هو خاتم الأنبياء "عليهم السلام"، وأن
كتابه هو آخر الكتب السماوية وأكملها.
وفي رواية أخرى:
«
وقالوا لن تمسّنا النار إلا أياماً معدودة...».
وأن المسلمين كانوا يقولون، ردّاً على
اليهود أنهم هم خير الأمم، لأن اللَّه قال في شأنهم:« كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله ...»
(59).
ولذلك نزلت الآيتان/124 - 123 من سورة النساء، ودحضت كل
تلك الدّعاوى وحدّدت قيمة كل شخص بما يقوم به.
فليست قيمتك
أيها المسلم في أنك تنتمي
إلى الإسلام على المستوى الإسمي فحسب، إنما قيمتك عند اللَّه فيما تعمل في هذه
الحياة وتلتزم وتطبق من هذا الإسلام العزيز.
1
- اذكر حديثاً حول فضل هذه السورة؟
2 -كيف تتصوَّر أهمية الزمن؟
3
- اذكر حديثاً يشير إلى خطورة طول الأمل؟
4
- ما هو علاج طول الأمل؟
5
- ماذا يعتقد «لوثر» وما أثر ما يعتقد على مجتمعه؟ وما هي نظرية الإسلام في النجاة
الأخروي؟
وصية النبي "صلى الله عليه وآله" لأمير
المؤمنين "عليه السلام":
كان في وصية النبي "صلى الله عليه وآله" لعلي
"عليه السلام" أن قال:
«يا
علي أوصيك في نفسك بخصالٍ فاحفظها عني».
ثمَّ قال "صلى الله عليه وآله":
أما الأولى فالصدق ولا يخرجنَّ من فيك كذبة أبداً.
والثانية الورع ولا تجترئ على خيانةٍ أبداً.
والثالثة الخوف من اللَّه عزَّ ذكره كأنك تراه.
والرابعة كثرة البكاء من خشية اللَّه تعالى يبنى لك بكل
دمعة ألف بيت في الجنة.
والخامسة بذلك مالك ودمك دون دينك.
والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي.
أما الصلاة فالخمسون ركعة وأما الصيام فثلاثة أيام في
الشهر الخميس في أوله والأربعاء في وسطه والخميس في أخره وأما الصدقة فجهدك حتى
تقول قد أسرفت ولم تسرف وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل
وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال وعليك بتلاوة القرآن
على كل حالٍ وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما. وعليك بالسواك عند كل وضوء وعليك
بمحاسن الأخلاق فارتكبها ومساوئ الأخلاق فاجتنبها فإن لم تفعل فلا تلومَنَّ إلا
نفسك.
يقول الإمام الخميني "قدس سره" في معرض شرحه
لهذه الوصية المحمدية:
«يتضح
من نواحي عديدة من هذا الحديث الشريف أن هذه الوصايا التي أوصى بها رسول اللَّه
"صلى الله عليه وآله" مولانا أمير المؤمنين "عليه السلام"
كانت عدنه صلوات اللَّه وسلامه مهمة جداً وهذه النواحي هي:
إحداها: توجيه الوصية نحو أمير المؤمنين "عليه
السلام" مع أنه سلام اللَّه عليه أسمى من أن يتساهل في الأحكام الشرعية
والأوامر الإلهية ولكن هذه الأمور لدى رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله"
كانت هامة جداً فلم يحجم عن الوصية بها.
ومن المتعارف أن رسول اللَّه "صلى الله عليه
وآله" لا يوصي بشيء إلا وقد كان يعتني به ويراه مهماً. فلأجل اظهار أهميته
يوصي به حتى لمن يعرف أنه لا يتهاون به.
أما احتمال أنه "صلى الله عليه وآله" قد أوصى
لأمير المؤمنين "عليه السلام" حتى يفهم الآخرين من قبيل «إياك أعِني
واسمعي يا جارة» فهو بعيد لأن سياق الحديث يشهد بأن الخطاب متوجه نحو الإمام علي
"عليه السلام" وأنه المقصود مباشرة كما يستفاد من كلمة في نفسك و: «إحفظها».
و«اللهم أعِنه».
ثم إن مثل هذه الوصايا كانت متداولة بين الكبار من الناس
وبين الأئمة الأطهار من وصية بعضهم البعض الآخر.
وكان الظاهر من سياق كل واحد من مثل هذه العبارات التي
وردت من إمام لإمام آخر"عليهم السلام" هو الإمام المخاطب بنفسه.
كما ورد في إحدى وصايا الإمام علي بن أبي طالب
"عليه السلام" إلى ولديه الحسن والإمام الحسين عليهما السلام :
«أوصيكما
وأهل بيتي ومن بلغه كتابي».
ومن المعلوم أن الحسنين عليهما السلام كانا داخلين في هذه الوصية وتكشف هذه
الوصايا عن شدة اهتمام وتعلق المعصومين بعضهم ببعض. وعلى أي حال إن كون الإمام
أمير المؤمنين عليهما السلام
مخاطباً بالوصية يكشف عن عظمة الوصية وأهميتها.
ثانيتها: إن رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله"
أكد على هذه الوصية بهذا المستوى من التأكيد الإمام علي بن أبي طالب "عليه
السلام" رغم أنه لن يتجاوز وصية رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله"
قيد أنملة ولم يبد تجاهها وهناً ولا فتوراً.
ثالثتهما: نبه رسول اللَّه "صلى الله عليه
وآله" علياً بعد أن قال:
على أهمية الوصية قائلاً: «فاحفظها عني».
ولما تمنى رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله"
أن يأتي بهذه الوصايا المهمة دعا له قائلاً: «اللهم أعِنه».
وهكذا بقية التأكيدات، التي وردت في كل واحدة من هذه
الجمل بصورة مستقلة مثل نون التوكيد. تكرار الوصية وغير ذلك مما لا نحتاج إلى
تعداده.
إذن يعلم أن هذه الوصايا من الأمور الهامة ومن الواضح
أنه لا يعود في جميع هذه الوصايا بالفائدة على رسول اللَّه "صلى الله عليه
وآله" وإنما تعود المنفعة إلى المخاطب، والإمام عليهما السلام وإن كان هو المخاطب بالأصالة ولكن التكاليف
عامة ومشتركة بين الجميع، حيث لا تعطل برحيل المخاطب بل إنها متواصلة مع الأجيال.
ولا بدَّ من معرفة أن شدة تعلق رسول اللَّه "صلى
الله عليه وآله" بالإمام علي "عليه السلام" تبعث على الفائدة
الكبيرة لهذه الوصايا التي بُينتْ بهذا الأسلوب وعلى أهميتها الكثيرة واللَّه
العالم».
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«
ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالاً وعدّده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا
لينذنّ في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطّلع
على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) ».
1
- الهمزة: الذي يعيبك بظهر الغيب.
2
- اللمزة: الذي يعيبك في وجهك.
3
- لينبذن: ليقذفن.
4
- الحطمة: اسم من أسماء جهنم.
5
- الأفئدة: القلوب.
6
- مؤصدة: مطبقة.
وهي تسع آيات، وقد نزلت هذه السورة في مكة المكرمة.
هذه السورة، وهي من السور المكية، تتحدث عن أناس كرسوا
كل همهم لجمع المال، وحصروا كل قيم الإنسان الوجودية في هذا الجمع، ثم هم يسخرون
من الذين لا يملكون المال وبهم يستهزئون، ومنهم الوليد بن المغيرة، والأخنس بن
شريق، وأمية بن خلف.
هؤلاء الأثرياء المستكبرون والمغرورون المحتالون أسكرهم
الطغيان فراحوا يستهينون بالآخرين ويعييونهم ويتلذذون بما يفعلون من غيبة
واستهزاء.
السورة تتحدث في النهاية عن المصير المؤلم الذي ينتظر
هؤلاء، وكيف أنهم يلقون في جهنم صاغرين، وأن نار جهنم تتجه بلظاها أولاً إلى
قلوبهم المليئة بالكبر والغرور، وتحرقها بالنار، بنار مستمرة.
وفي فضيلة هذه السورة ورد عن النبي "صلى الله عليه
وآله" قال: «من قرأ سورة الهمزة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد
وأصحابه»
(61).
وعن الإمام الصادق "عليه السلام" قال: «من قرأ ويل لكل همزة في فريضة من فرائض، نفت عنه الفقر وجلبت
عليه الرزق وتدفع عنه ميتة السوء»
(62).
السورة المباركة تورد صفات عديدة لصنف من الناس، هذه
الصفات مذمومة؛ لما لها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
1
- الهمز واللمز:
قال في مجمع البيان:
«الهمزة:
الكثير الطعن على غيره بغير حق العائب له بما ليس بعيب... واللمز: العيب أيضاً،
والهمزة واللمزة بمعنى(واحد).
وقد قيل: بينهما فرق فإن الهمزة: الذي يعيبك بظهر الغيب،
واللمزة: الذي يعيبك في وجهك...
وقيل: الهمزة: الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه، واللمزة الذي
يكسر عينه على جليسه ويشير برأسه ويومي بعينه...»
(63).
ومن مجموع آراء اللغويين في الكلمتين يستفاد أنهما بمعنى
واحد، ولهما مفهوم واسع يشمل كل ألوان إلصاق العيوب بالناس وغيبتهم والطعن
والبهتان والاستهزاء بهم والذم لهم والنميمة والفتنة، باللسان أو الإشارة.
وفي الحقيقة إن هاتين الصفتين( التي قلنا أنهما بمعنى
واحد ) وأكثر ما تنبثقان من اللسان، الذي إذا أُسيء استعماله أدّى بالإنسان الفرد
والمجتمع إلى عواقب وخيمة.
وهذا ما حذّر منه رسول اللَّه "صلى الله عليه
وآله"، حيث حمَّل اللسان من الأوزار والعذاب ما لم يحمِّله لغيره من جوارح
البدن فقال "صلى الله عليه وآله":
«يعذِّب اللَّه اللسان بعذاب لا يُعذّب به شيئاً من الجوارح فيقول:
أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً؟ فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض
ومغاربها، فسُفك بها الدم الحرام وانتهب المال الحرام وانتهك بها الفرج الحرام،
وعزتي وجلالي لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئاً من الجوارح...»
(64).
ولخطورة موقع اللسان في حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً،
وردت الوصاية الكثيرة الإسلامية، لتهذِّب هذا اللسان.
فهذا القرآن الكريم يقارن بين الكلمة الطيبة والخبيثة
قائلاً:
« ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت
وفرعها في السماء *تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم
يتذكرون * ومثل كلمة خبيئة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار »
(65).
وهذا الإمام زين العابدين "عليه السلام" يقول
في رسالة الحقوق حول حق اللسان:
« وأما حقُّ اللسان فإكرامه عن الخنى
(66)
وتعويده على الخير وحمله على الأدب وإجمامه
(67)
إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدُّنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة
الفائدة التي لا يُؤمن ضررها مع قلّة عائدتها وبعدُ شاهد العقل والدليل عليه
وتزيّن العامل بعقله حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم »
(68).
وللسان قبائح منها:
1 - الفحش وبذاءة اللسان:
عن أبي عبد اللَّه "عليه السلام": «إن الفحش والبذاءة والسلاطة من النفاق»
(69).
وقال رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله":«إن من أشر عباد اللَّه من تكره مجالسته لفحشه»
(70).
وقال "صلى الله عليه وآله": «إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فهو شرك
شيطان»
(71).
وفي حديث عنه "صلى الله عليه وآله": «إن اللَّه حرّم الجنّة على كل فحّاش بذيء اللسان، قليل
الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فإنك إذا فتشته لم تجده إلى لغية أو شرك
شيطان، قيل يا رسول اللَّه وفي الناس شرك شيطان؟ فقال رسول اللَّه "صلى الله
عليه وآله": أما تقرأ قول اللَّه عزَّ وجلَّ: «.. وشاركهم في الأموال
والأولاد ...»
(72)-
(73).
2 - الغيبة:
وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، وقد ورد الكثير من
النصوص الإسلامية حول قبحه، ويكفيك قول اللَّه تعالى:
«... ولا يغتب بعضكم
بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم
»
(74).
3 - البهتان:
وهو ذكرك أخاك بما ليس فيه، وهو أشد قبحاً من الغيبة.
4 – الاستهزاء :
قول تعالى:« يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم
ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهنّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب
بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون »
(75).
5 - النميمة والفتنة:
وهي أن تخبر شخصاً خبراً؛ لتفسد علاقته مع أخيه أو
صديقه.
6- الكذب:
وهو الإخبار بغير الواقع.
مما يساعد على تغيير اللسان، العادة، يقول الشاعر:
«عوِّد لسانك قول الحق تحظ به إن اللسان لما عوّدت معتاد» ويجمع الجميع صفتا الهمز
واللمز، اللذان يكشفان عن باطن خبيث للإنسان الذي يتصف بهما، فالإناء بالذي فيه
ينضح، وأكثر ما ترى قبح اللسان في الكافرين.
الصفة الثانية التي ذكرتها الآية الكريمة، حب المال،
وهنا نقف قليلاً حول هذه الصفة.
فبشأن المال والثروة، اختلفت وجهات نظر الناس بين إفراط
وتفريط، بعضهم أسبغ على المال أهميَّة فائقة فجعله مفتاح حل كل المشاكل، وإلى ذلك
ذهب الشاعر في قوله:
فصاحة سليمان وخط ابن مقلة وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس فليس له قدر بمقدار
درهم
ولذلك فإن دأب هؤلاء الأفراد جمع المال، ولا يدخرون
وسعاً على هذا الطريق، ولا يتقيّدون بقيد، ولا يهتمون بحلال أو حرام، بهمز أو بلمز،
بكذب أو بهتان، المهم عندهم تعداد الأموال؛ وهذه الصفة أكثر ما توجد في الكافرين.
ومقابل هذه المجموعة هناك من لا يعير أية أهمية للمال والثروة، يمتدحون الفقر،
ويشيدون به، ويرون في المال عائقاً للتقوى والقرب الإلهي، كبعض المتصوِّفة ومن سلك
مسلك الرهبانية.
وإزاء ذاك الإفراط وهذا التفريط، يقف الإسلام وسطاً
ويبيّن أن المال مطلوب ولكن بشروط:
أولها: أن يكون وسيلة
لا غاية.
ثانيها: أن لا يكون
الإنسان له أسيراً، بل أن يكون عليه أميراً.
ثالثها: أن يأتي بالطرق
المشروعة(لا بالكذب والبهتان، والغش والخداع) وأن ينفق في سبيل رضا اللَّه تعالى.
فالرغبة في هذا المال، ليست دائماً دليلاً على حب
الدنيا.
من الصفات التي ذكرتها الآية الكريمة، أن هذا الصنف من
الناس يعيش الأوهام الباطلة، لا الحقائق الناصعة، فيحسب أن المال الذي يجمعه هو
الذي سيخلده في الدنيا.
هذا الصنف من الناس حيث لم يلجأ إلى ركن وثيق، إلى خالق
الكون، رب العالمين، فإنه يتمسَّك بأي شيء ليوهم نفسه أنه سيعيش إلى الأبد، وما
هو بمزحزحه من العذاب:
«
كلا لينبذنّ في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي
تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة ».
1
- ما المراد من الهمزة واللمزة؟
2- ما هو موقف الإسلام من جمع المال؟
3
- اذكر حديثاً يشير إلى خطورة اللسان؟
4- ما هي شروط جمع المال الصحيح؟
5
- ما هو التوهُّم الباطل الذي يعيشه محب المال؟
المفاسد الاجتماعية للغيبة:
يقول الإمام الخميني "قدس سره":
«
إن هذه المعصية الكبيرة وهذه الجريرة العظيمة، من المفسدات للإيمان والأخلاق
والظاهر والباطن ومما تدفع بصاحبها إلى الفضيحة في الدنيا والآخرة. حيث ذكرنا
سلفاً في الفصل السابق نبذة يسيرة منها، كذلك تشتمل هذه الرذيلة على مفاسد
اجتماعية ونوعية أيضاً، ولهذا يكون فسادها وقبحها أعظم من كثير من المعاصي.
إن من الأهداف الكبيرة للشرائع الإلهية والأنبياء
العظام سلام اللّه عليهم مضافاً إلى كونه الهدف الذي نذكره هدفاً مستقلاً وليس بمجرد أداة وواسطة
وإنما هي الوسيلة التي تبعث على إنجاز الأهداف الأساسية الكبيرة. وشرط ضروري
لتحقيق المدينة الفاضلة، مضافاً على ذلك، هو توحيد الكلمة وتوحيد العقيدة والاتفاق
في الأمور الهامة، والحد من ظلم الجائرين الباعث على فساد بني الإنسان، ولا يتحقق
هذا الهدف الكبير المصلح للمجتمع والفرد إلا في ظل وحدة النفوس واتحاد الهمم
والتآلف والتآخي، والصداقة القلبية والصفاء الباطني والظاهرة، وتربية أفراد
المجتمع على نمط يساهم كلهم في بناء شخص واحد، ويحول المجتمع إلى فرد، ويجعل
الأفراد بمنزلة الأعضاء والأجزاء لذلك الفرد وتدار كافة الجهود والمساعي حول الهدف
الإلهي الكبير، والأمر الهام العقلي العظيم الوحدة والأخوة
الذي فيه مصلحة الفرد والمجتمع، ولو أن مثل هذه الوحدة والأخوة ظهرت في
طائفة أو نوع، لتغلبوا على جميع الطوائف والأمم التي لا تحظى بالأخوة والوحدة كما
يتضح ذلك من مراجعة التاريخ وخاصة دراسة الحروب الإسلامية وفتوحاته العظيمة، حيث
تمتع المسلمون لدى بزوغ القانون الإلهي
الإسلام، بشيء من الوحدة والاتحاد، واقترنت مساعيهم بشيء من الخلوص في
النية، فحققوا في فترة قصيرة إنجازات عظيمة، وهزموا القوى الجبارة آنذاك المتمثلة
في إيران والروم وانتصروا رغم قلة عددهم وعُدتهم على الجيوش المدججة بالسلاح وعلى
المجتمعات الكبيرة.
إن نبي الإسلام قد أجرى عقد الأخوة في الأيام الأولى بين
المسلمين فسادت الأخوة حسب الآية الكريمة:
« إنما المؤمنون إخوة ...»
(76).
بين جميع المؤمنين.
وفي الكافي عن العزقوفي قال: سمعت أبا عبد اللّه
"عليه السلام" يقول لأصحابه: «إتقو اللّه وكونوا إخوة بررةً في اللّه
متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه»
(77).
وعن أبي عبد اللّه "عليه السلام" قال: «يحق
على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة
وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم اللّه(عز وجل) « رحماء بينهم»
(78).
وعنه "عليه السلام": «تواصلوا
وتباروا وتراحموا وكونوا إخوة بررةً كما أمركم اللّه عز وجل»
(79).
ومن المعلوم أنه كلما يبعث على ازدياد هذه الصفات، يكون
محبوباً ومرغوباً فيه وكلما ينقض هذه الأخوة ويفرط عقد التواصل ويدفع نحو التمزق،
يعتبر مبغوضاً عند صاحب الشريعة ومناقضاً لأهدافه الكبيرة. ومن الواضح أن لدى
الجميع بأن هذه المعصية الكبيرة الخطيرة
الغيبة إذا أشيعت في المجتمع،
وغرس شجرة النفاق فيه، وضعضعت وحدة المجتمع وتضامنه، ووهن أساس الديانة، وفي
النهاية تزداد في المجتمع القبائح والفسائد.
فيجب على كل مسلم غيور ملتزم، لصيانة نفسه من الفساد،
وأهل دينه من النفاق وللمحافظة على المجتمع الإسلامي ووحدته ولتحكيم عقد الأخوة أن
يبتعد عن هذه الرذيلة، ويمنع المغتابين من هذه الموبقة القبيحة، ويتوب إلى اللّه
من هذا العمل الكريه، وإذا كان مبتلياً به، ويسترضي من اغتابه. وإذا أمكن من دون
أن يفضي إلى مشكلة استحله، وإلا استغفر له وتخلى عن هذه الخطيئة، وأنعش من جديد في
قلبه جذور الصداقة والاتحاد، حتى يصبح من الأعضاء الصالحين في المجتمع وينقلب إلى
جزء هام في عجلة الإسلام واللّه الهادي إلى سبيل الرشاد.
علاج هذه الموبقة:
اعلم أن معالجة هذه الخطيئة العظيمة وغيرها من الخطايا
تكمن في العلم النافع والعمل.
أما العلم النافع فهو أن يفكر الإنسان في الآثار الناجعة
التي تترتب على معالجة هذه الموبقة ويقارنها مع المضاعفات السيئة والآثار الشنيعة
التي تترتب على الغيبة، ثم يعرض كلا الأمرين على العقل ويستهديه لما فيه الحسن
والخير والصلاح.
إن الإنسان لا يعادي نفسه البتة، ولكنه يجترح السيئات من
جراء الجهل والغفلة عن بواعثها ونتائجها، أما الفائدة الموهومة فتترتب على تلك
المعصية، من إرضاء رغباته النفسية في ذكر مساوىء الناس وكشف عوراتهم دقائق
محدودة، ومن تضييع الوقت في ذكر اللطائف اللاذعة والأحاديث الشنيعة المنسجمة مع
الطبيعة الحيوانية أو الشيطانية ويلهو في جلسته مع أصدقائه فيشفي غيظه ممن يحسدهم.
وأما آثارها
الغيبة القبيحة فقد عرفت
قسماً منها في الفصول السابقة وعليك أن تقف على قسم آخر وتتعظ منه، وتأخذه بعين
الاعتبار لدى المقارنة بين حسنات الكف عن الغيبة بالمعالجة
وسيئات الانهماك فيها. وتنجم عن هذا التفكر والمقارنة، آثار طيبة.
أما آثارها
الغيبة الشنيعة في هذا
العالم فهو سقوط الإنسان من أعين الناس، وسحب ثقتهم به، إن طبائع الناس مجبولة على
حب الكمال والجمال والحسن، والنفور من كل نقص وقبح وانحطاط. وملخَّص الحديث أن
الناس يفرقون بين من يتجنّب، هتك أستار الناس وكشف أعراضهم وأسرارهم، وغيره، حتى
إن الذي يتولى الغيبة يرى في نفسه فطرة وعقلاً، الإنسان الذي يكون على حذر من هذه
الأمور وهتك أسرار أعراض الناس،
فضحه اللّه في هذه الدنيا كما صُرِّح بذلك في حديث إسحاق بن عمار المتقدم
(80).
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
« أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدعّ اليتيم (2) ولا يحضّ على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7) «
1
- الدّع: الردّ بعنف وجفاء.
2
- يحضّ: «الحضّ» الترغيب.
3
- ساهون: الناسون.
4
- الماعون: كل ما يعين في رفع حاجة من حوائج الحياة.
نزلت هذه السورة في مكة
(81).
عدد آياتها سبع.
هذه السورة
على رأي أكثر المفسرين
مكيّة، ولحنها الذي يتحدَّث عن القيامة وأعمال منكري القيامة بمقاطع قصيرة
وقارعة يؤيد ذلك.
السورة بشكل عام تذكر صفات وأعمال منكري القيامة في خمس
مراحل.
فهؤلاء نتيجة لتكذيبهم بذلك اليوم، لا ينفقون في سبيل
اللّه وعلى طريق مساعدة اليتامى والمساكين. ثم هم يتساهلون في الصلاة، ويعرضون عن
مساعدة المحتاجين.
وفي سبب نزول السورة قيل إنها نزلت في أبي سفيان الذي
كان ينحر في اليوم اثنين من الإبل ويطعم أصحابه، ولكن يتيماً جاءه يوماً يطلب منه
شيئاً فضربه بعصاه وطرده.
وقيل إنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل في العاص بن
وائل
(82)
وفي أبي جهل وكفار قريش
(83).
وفي فضيلة تلاوة هذه السورة ورد عن الإمام محمد بن علي
الباقر عليه السلام قال:«من قرأ « أرأيت الذي يكذّب بالدين » في فراضه ونوافله قبل اللّه صلاته وصيامه ولم يحاسبه بما كان منه
في الحياة الدنيا»
(84).
السورة المباركة على صغرها تحمل معاني وأفكاراً ومفاهيم
مهمَّة:
فسِّر الديِّن
وهو التفسير غير المشهور
باتباع الملَّة أي ملّة الإسلام العظيم، وفسِّر وهو التفسير المشهور
بيوم الدَّين أي يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه
بقلب سليم.
وعلى كلا التفسيرين فإن اللوازم المذكورة للتكذيب بالدين
تصح، فالمكذِّب بالإسلام والكافر به، والمكذِّب بالآخرة، كلاهما يحملان صفات روحية
وسلوكية قبيحة.
فهناك ارتباط وثيق بين الاعتقاد من جهة والروحية
والأخلاق والسلوك من جهة أخرى، فمن لا اعتقاد له باللَّه واليوم الآخر، تلاحظ فيه
سلوكيات شاذة منها:
والدع هو الرد بعنف، وهذا أقصى مراتب قساوة القلب، فلا
يكفي الكافر في بعض حالاته من عدم الإحسان إلى اليتيم، بل يترقّى
إلى أذيته بردِّه بعنف.
أما المسلم المؤمن باللَّه وبالآخرة فهو بخلاف ذلك إنه
رحيم بالأيتام الذين أوصى الإسلام العظيم بهم توصيات كثيرة:
يقول اللَّه تعالى: « وإذ
أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى
واليتامى والمساكين »
(85).
ويقول سبحانه: « وآتى المال
على حبه ذوي القربى واليتامى »
(86).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته قبل موته:
عن أبي الدرداء قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل يشكو قسوة قلبه.
فقال صلى الله عليه وآله : «أتحب
أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ إرحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك
وتدرك حاجتك»
(89).
ولقد ذمّ الإسلام آكلي أموال اليتامى:
قال تعالى: « إن الذين يأكلون
أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً»
(90)
عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : «شر المآكل أكل مال
اليتيم»
(91).
وعن أبي جعفر عليه السلام قال:
وبعض الروايات تعلِّل حرمة أكل مال اليتيم:
عن الرضا عليه السلام فيما كتب من جواب مسائله:
أول ذلك إذا أكل مال اليتيم ظلماً فقد أعان
على قتله إذ اليتيم غير مستغن، ولا محتمل لنفسه، ولا قائم بشأنه، ولا له من يقوم
عليه ويكفيه كقيام والديه، فإذا أكل ماله فكأنّه قد قتله وصيّره إلى الفقر
والفاقة...»
(93).
ومن صفات الكافر أنه ليس لديه روح التعاون، فهو لا يحض
على طعام المسكين، أي لا يرغِّب نفسه أو غيره على إطعام المسكين.
ثم تنتقل السورة إلى صنف من الناس تراهم في المجتمع
الإسلامي، ويدّعون الإسلام، إلا أن سلوكهم وأخلاقياتهم، تشابه أخلاق الذي يكذِّب
بالدِّين، وهؤلاء تعرفهم من خلال بعض الصفات:
1 -
ساهون عن الصلاة مراءون بها:
فهم غافلون عنها لا يهتمون ولا يبالون أن تفوتهم
بالكلّية، وبالإضافة للسهو عن الصلاة هناك سهو في الصلاة ينبغي أن يتجنبه المؤمن.
فالسهو في موضوع الصلاة مراتب:
أ - تركها كلّية، والمسلم التارك للصلاة كالكافر الذي
قطع الصلة باللَّه تعالى.
ب - الصلاة المرائية، وهي صلاة المنافق الذي يصلِّي
ليوهم الناس أنه مؤمن.
ج - التهاون بها وتضييعها وعدم الاهتمام بها، فهو يصلي
مرّة ويقطع عشراً.
د - عدم الخشوع فيها.
ه - تأخيرها عن أول وقتها.
في تفسير القمي في قوله تعالى: « أرأيت الذي يكذّب
بالدين ».
قال: نزلت في أبي جهل وكفار قريش، وفي قوله: « الذين هم
عن صلاتهم ساهون ».
قال: عنى به تاركون، لأن كل إنسان يسهو في الصلاة.
قال أبو عبد اللَّه عليه السلام : «تأخير الصلاة عن أول وقتها لغير عذر»
(94).
وفي الخصال عن علي عليه السلام قال: «ليس عمل
أحب إلى اللَّه عزَّ وجلَّ من الصلاة فلا يشغلنكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا
فإن اللَّه(عزَّ وجلَّ) ذم أقواماً فقال: « الذين هم عن صلاتهم ساهون » يعني أنهم غافلون استهانوا
بأوقاتها»
(95).
وفي الإسلام توصيات كثيرة بالصلاة، فهي عمود الدين،
والتي إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت رد ما سواها، وأول شيء يسأل العبد عنه يوم
القيامة، وهي قربان كل تقي.
يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق:
«فأما حق الصلاة فإن تعلم أنها وفادة إلى اللَّه وأنك قائم بها بين
يدي اللَّه فإذا علمت ذلك كنت خليقاً أن تقوم فيها مقام الذليل، الراغب الراهب،
الخائف، الراجي، المسكين، المتضرع المعظم من قام بين يديه بالسكون والإطراق وخشوع
الأطراف ولين الجناح وحسن المناجاة له في نفسه والطلب إليه في فكاك رقبتك التي
أحاطت بها خطيئتك واستهلكتها ذنوبك. ولا قوة إلا باللَّه»
(96).
والإمام زين العابدين عليه السلام لم يكن متكلّماً بهذه الكلمات فحسب بل:
«كان إذا قام إلى الصلاة تغير لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض
(97)
عرقاً ».
وفي حديث آخرك
«كان علي بن الحسين إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه
شيء إلا ما حرّكت الريح منه »
(98).
هذه هي صلاة الأئمة عليهم السلام ، صلاتهم ليست كصلاة من
روى عنه أبو جعفر عليه السلام حيث
يقول:
«بينما رسول اللَّه صلى الله عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه ولا سجوده
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته
ليموتن على غير ديني »
(99).
ومن صفات تاركي الصلاة المتهاونين بها، هي صفه منع
الماعون، والماعون: «كل ما يعين الغير في رفع حاجة من
حوائج الحياة كالقرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره»
(100)
إلى غير ذلك.
عن أبي عبد اللَّه عليه السلام :
فالمسلم الحقيقي: هو الباذل المعطي الكريم المتصدِّق، هو
صاحب روح معطاءة متعاونة، لا شحيحة بخيلة.
أنظروا إلى أئمتكم قدوتكم كيف كانوا إنهم:
« ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم
لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً »
(102).
حشرنا اللَّه مع أئمتنا، مع محمد وعلي وفاطمة والحسن
والحسين، والتسعة المعصومين من ذريّة الحسين عليه السلام ، وجعلنا اللَّه من
المقتدين بهم، فمن اقتدى بهم ربح، ومن تخلّف عنهم غرق.
1
- اذكر حديثاً حول فضل قراءة هذه السورة؟
2
- ما المراد بقوله «يدعٍّ»؟
3
- أذكر آية تدل على أن الاحسان إلى اليتيم من صفات المؤمنين.
4
- كيف يتحقق السهو عن الصلاة؟
5
- ما هي آثار السهو عن الصلاة؟
ماعون آل محمد صلى الله عليه وآله :
فيما ينقل عن الحسين بن علي والصادق صلوات اللّه عليهما:
«إنهما كانا يتصدقان بالسُكَّر ويقولان إنه أحب الأشياء إلينا وقد
قال اللّه تعالى: « لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون »
(103).
وفي الحديث عن أبي الطفيل قال: إشترى عليُّ عليه
السلام ثوباً فأعجبه فتصدّق به وقال
سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله
يقول:
«من آثر على نفسه آثره اللّه يوم القيامة بالجنَّة ومن أحبَّ
شيئاً فجعله للّه قال اللّه تعالى يوم القيامة قد كان العباد يُكافئون فيما بينهم
بالمعروف وأنا أكافيك اليوم بالجنَّة»
(104).
وروي أن أبا طلحة وهو من الأصحاب، قسم حائطاً بستان له في أقاربه عند نزول هذه الآية وكان أحب أمواله إليه فقال له
رسول اللّه صلى الله عليه وآله : « بخٍ بخٍ ما رابح لك »
(105).
واستضاف أبو ذر الغفاري ضيفاً فقال:
للضيف إني مشغول وإنَّ لي إبلاً فاخرج واتني بخيرها.
فذهب فجاء بناقةٍ مهزولةٍ.
فقال له أبو ذر: خُنتني بهذه.
فقال وجدتُ خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه.
فقال أبو ذر: إنَّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضعُ في حُفرتي
مع أنَّ اللّه يقول:
«لن
تنالوا البرَّ حتى تنفقوا ممّا تحبون».
وقال أبو ذر في المال ثلاثة شركاء: القدرُ لا يتسأمِرُك
أن يذهب بخيرها أو شرِّها من هَلَكَ والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثمَّ يستاقها
وأنت ذميم وأنت الثالث فإن استعطت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكُن إنَّ اللّه
يقول:
وإن هذا الجمل كان ممّا أُحِبُّ من مالي فأحببت أن
أقدِّمَه لنفسي »
(106).
يقول الأمام الخميني( رضوان اللّه عليه ) في بيان سرِّ
من أسرار الصدقة:لا بدَّ وأن نعرف بأن الإنسان قد نشأ وتربّى على حبّ
المال والجاه والزخارف الدنيوية وقد انعكس هذا التعلق على قلبه، فتعمَّق فيه وأضحى
مصدراً لكثير من المفاسد الخلقية والسلوكية، بل الانحرافات الدينية. كما ورد في
أحاديث كثيرة
(107)
وأشرنا إلى ذلك في غضون شرحنا لبعض الأحاديث
(108).
وعليه إذا استطاع الإنسان بواسطة الصدقات أو الإيثار على النفس أن يستأصل من قلبه
هذا التعلّق أو يخفف منه، لتمكن من اجتتاث مادة الفساد ومصدر الأعمال المشينة فترة
حياته وفتح أبواب المعارف الإلهية، وعالم الغيب، والملكلوت، والملكات الفاضلة، على
نفسه، وهذا من الأمور الهامة في الإنفاق المالي الواجب والمتسحبّ وخاصة في الإنفاق
المستحب حيث لا بدَّ من الإقلاع عن التعلق بالدنيا حتى يتم البذل، وهو واضح.
إذن يتبين من كافة الأخبار والأحاديث في هذا الموضوع أن
الصدقة تشتمل على الفضائل الدنيوية والأخروية حيث ترافق الإنسان من اللحظة الأولى
من التصدق فتدفع الشرّ والبلاء عن الإنسان حتى يوم القيامة ومواقفها إلى أن تدخل
الإنسان إلى الجنّة وتسكنه جوار الحق سبحانه.
لا بدَّ أن نعرف بأن صدقة السرّ أفضل من الصدقة في
العلن، كما ورد في الكافي الشريف بسنده إلى عمار الساباطي عن الإمام الصادق عليه
السلام قال:«يا
عمار الصدقة في السرّ واللَّهِ أفضلُ من الصدقة في العلانية وكذلك واللَّهِ
العبادة في السِّر أفضل منها في العلانية»
(109).
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«إذا
جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك
واستغفره * إنه كان تواباً * «.
1
- دين اللَّه: الإسلام.
2
- أفواجاً: جماعة بعد جماعة وزمرة بعد زمرة.
3
- سبِّح: نزّه.
نزلت هذه السورة في المدينة وآياتها ثلاث.
هذه السورة نزلت في المدينة بعد الهجرة، وفيها بشرى
النصر العظيم ودخول الناس في دين اللَّه أفواجاً، وتدعو النبي أن يسبح اللَّه
وبحمده ويستغفره شكراً على هذه النعمة.
في الإسلام فتوحات كثيرة، ولكن فتحاً بالمواصفات
المذكورة في السورة ما كان سوى «فتح مكة»، خاصة وأن العرب كما جاء في الروايات كانت تعتقد أن نبي الإسلام "صلى
الله عليه وآله" لا يستطيع أن يفتح مكة إلا إذا كان على حق... ولو لم يكن على
حق فربُّ البيت يمنعه كما منع جيش أبرهة. ولذلك دخل العرب في دين اللَّه بعد فتح
مكة أفواجاً.
قيل: إن هذه السورة نزلت بعد «صلح الحديبية» في السنة
السادسة للهجرة، وقبل عامين من فتح مكة.
وما ذكره بعضهم من نزول هذه السورة بعد فتح مكة في السنة
العاشرة للهجرة في حجة الوداع بعيد جداً. لأن عبارات السورة لا تنسجم وهذا المعنى،
فهي تخبر عن حادثة ترتبط بالمستقبل لا بالماضي.
ومن أسماء هذه السورة «التوديع» لأنها تتضمن خبر وفاة
النبي "صلى الله عليه وآله".
في الرواية أن هذه السورة لما نزلت قرأها رسول اللّه
"صلى الله عليه وآله" على أصحابه ففرحوا واستبشروا وسمعها العباس فبكى.
فقال "صلى الله عليه وآله": ما يبكيك يا عم؟
فقال: أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول اللّه.
فقال "صلى الله عليه وآله":
«إنه لكما تقول»
(110).
ظاهر السورة ليس فيه أنباء عن قرب رحلة الرسول "صلى
الله عليه وآله" بل عن الفتح والنصر. فكيف فهم العباس أنها تنعي إلى الرسول
نفسه؟
يبدو أن دلالة السورة على اكتمال الرسالة وتثبيت الدين
هو الذي أوحى بقرب ارتحال الرسول إلى جوار ربّه.
في فضيلة السورة ورد عن الرسول "صلى الله عليه وآله" قال:
وعن الإمام الصادق "عليه السلام" قال:
1
- نصر اللَّه تعالى:
في القرآن الكريم كثير من الآيات الكريمة تضيف النصر إلى
اللَّه تعالى، يقول تعالى:
« ألا إن نصر الله قريب »
(113).
« وما النصر إلا من عند الله »
(114).
« لقد نصركم الله في مواطن كثيرة »
(115).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
وهذه الإضافة أي إضافة النصر إلى اللَّه تعالى تعني أن
النصر يحتاج إلى مدد إلهي، فإن كل شيء في الوجود لا يمكن له أن يستغني عن العون
والمدد والتوفيق الإلهي، وهي إمدادات غيبية ترتفع عن المسائل الحسيّة، وقبل الحديث
عن أنواع الإمدادات وشروطها، نتعرّض بالإشارة إلى مصطلحين قرآنيين:
الرحمة الرحمانية: هي
الألطاف الإلهية الشاملة لكلِّ الموجودات، فوجود كل شيء في هذا العالم بنفسه
رحمة لذلك الموجود. وكذلك تعتبر كل الوسائل التي خلقت لأجل وجوده والحفاظ على
بقائه رحمة له أيضاً، وهذه الرحمة تفاض وفق قوانين طبيعية عامة.
الرحمة الرحيمية: هي
تلك الألطاف الإلهية الخاصة، التي يستحقها المكلَّف لحسن طاعته وامتثاله وأدائه،
وهي تفاض وفق شروط وقوانين خاصة ومعينة.
ونحن نطلب من اللَّه تعالى هذا النوع الخاص من الرحمة
يومياً في صلاتنا: «إياك نعبد وإياك نستعين »
(116).
وتشمل هذه الألطاف الإنسان في حياته الفرديّة أو
الاجتماعية وتنقذه من كثير من المآزق.
وقد شمل اللَّه تعالى رسوله الكريم "صلى الله عليه
وآله" بمثل هذه الألطاف حيث يقول القرآن بحق الرسول الأكرم "صلى الله
عليه وآله": «ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاً
فهدى * ووجدك عائلاً فأغنى »
(117).
فالإنسان المؤمن بحاجة إلى مثل تلك الألطاف الإلهية
الخاصة، والنصر من اللَّه تعالى هو لطف منه على عباده المؤمنين، وهو مدد غيبي لا
يتحقق إلا بشروط أقرّها اللَّه تعالى وهي:
أ -
الإيمان: يقول تعالى:
ب - العمل والجهاد: قال تعالى:
فقوله: «إن تّنصٍرٍوا» في هذه الآية، يفهم منه صريحاً أن
اعطاء ومنح النصر مشروط بمن يعمل وينصر ويجاهد، والآيات الكريمة في الحث على
الجهاد كثيرة، فليس الأمر كما قال اليهود للنبي موسى "عليه السلام" حين
أمرهم بالقتال لدخول الأرض المقدّسة:
ج - الأمل والصدق: يقول تعالى:
فنلاحظ أن اللَّه تعالى أراد للمؤمنين رغم ما بهم من ضيق
وضرّ وبأساء أن يأملوا نصر اللَّه فهو قريب.
ويقول أمير المجاهدين الإمام علي "عليه
السلام" في نهج البلاغة:
د - في سبيل اللَّه: أن يكون العمل والجهاد كله في سبيل
اللَّه، فالنصرة لا بد أن تكون للَّه:
والمجاهدة لا بد أن تكون في اللَّه:
ه - إعداد العدّة: قال تعالى:
إذن لا يتحقق المدد الغيبي والنصر الإلهي عبثاً ولا
مجاناً ونحن عاكفون في البيوت كما قال اليهود لنبيهم:«... فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون »
(125).
بل لا بد من توفّر الشروط الموضوعية لكي تتحقق الألطاف
الإلهية، وليست هذه الشروط من المستحيلات.
فدروس وعبر المسلمين الأوائل إلهامات مهمَّة لكي نأخذ
منها المدد الواقعي.
2 -
النصر ودخول الناس في الإسلام:
إن النصر له آثار مهمّة على النّاس المنتصر عليهم، من
حيث تهيؤهم للدخول في الإسلام العظيم، فالناس مع المنتصر القوي، لا مع المنهزم
الضعيف.
لذلك نرى السورة الكريمة ترتّب على النصر دخول الناس في
دين اللَّه أفواجاً.
النصر يعقبه انفعالات نفسية خطيرة على المنتصرين كالعجب،
والغرور، والتكبر، والاقتناع بما وصلوا إليه، إلى غير ذلك من الصفات، من هنا ولكي
يستمر النصر لا بد من إزالة هذه الرذائل الأخلاقية من نفوس المؤمنين، وذلك بدوام
العلاقة باللَّه تعالى، بالتسبيح والاستغفار والتوبة، وهي رمز لدوام العلاقة
باللَّه تعالى والتواضع أمام نعمه.
1
- هل تعرف اسماً آخر لهذه السورة؟
2
- ما المراد من الفتح هنا؟
3
- هل ترتبط هذه السورة برحيل النبي "صلى الله عليه وآله" إلى الملكوت
الأعلى؟
4
- ما هي شروط تحقق النصر؟
5
- ما هي شروط استمرار النصر؟
فتح مكة:
بعد صلح الحديبية عمد المشركون إلى نقض العهد، وإلى خرق
بنود وثيقة الصلح، واعتدوا على المتحالفين مع رسول اللّه "صلى الله عليه
وآله". فشكى المتحالفون ذلك إلى الرسول، فقرر "صلى الله عليه وآله"
أن يهب لحمايتهم.
لذلك استعد النبي للحركة بأمر اللّه سبحانه صوب مكة.
في المرحلة التمهيدية تم تعبئة القوى اللازمة واختيار
الظروف الزمانية المساعدة، وجمع المعلومات الكافية عن العدوّ.
هذه المرحلة اتصفت بالدقة المتناهية،
ورسول اللّه "صلى الله عليه وآله" سيطر على الطريق بين مكة والمدينة
سيطرة تامة حتى لا يتسرب خبر هذا الاستعداد الإسلامي إلى مكة، ولكي يتم الفتح بشكل
مباغت وهذا أدى إلى فتح مكة دون إراقة دماء تقريباً.
النبي "صلى الله عليه وآله" توجه في العاشر من
رمضان سنة ثمان للهجرة إلى مكة، ووصلها بعد عشرة أيام.
والمرحلة الثانية كانت فتح مكة بأسلوب
ماهر خال من القتال وصل المسلمون إلى مشارف مكة وعسكروا عند «مر الظهران» على بعد
عدة كيلومترات من المدينة، وفي الليل أشعلوا نيران كثيرة لإعداد الطعام(ولعلهم
فعلوا ذلك لإثبات تواجدهم الواسع)، رأى جمع من أهل مكة هذا المنظر فتحيروا.
أخبار الزحف الإسلامي كانت لا تزال خافية على قريش في
تلك الليلة خرج أبو سفيان ومعه عدد من سراة قريش للاستطلاع خارج مكة.
وفي نفس الليلة قال العباس عم النبي "صلى الله عليه
وآله": «يا سوء صباح قريش، واللّه لئن باغتها رسول اللّه في ديارها فدخل مكة
عنوة إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر».
فاستأذن رسول اللّه وخرج على بغلته لعله يرى واحداً
متجهاً إلى مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه فيأتونه فيستأمنونه.
وبينما العباس يطوف بأطراف مكة إذ سمع صوت أبي سفيان
ومعه القرشيون الذين خرجوا يتجسسون فقال أبو سفيان: ما رأيت نيراناً أكثر من هذه!.
فقال له أحد مرافقيه: هذه نيران خزاعة.
فقال أبو سفيان: خزاعة أذل من ذلك.
نادى العباس أبا سفيان، فسأله أبو سفيان على الفور: ما
وراءك؟
قال العباس: هذا رسول اللّه "صلى الله عليه
وآله" في المسلمين أتاكم في عشرة آلاف.
قال أبو سفيان: ما تأمرني؟
أجابه العباس: تركب معي فأستأمن لك رسول اللّه "صلى
الله عليه وآله" فواللّه لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك.
فخرجا يركضان نحو رسول اللّه "صلى الله عليه
وآله". فكلما مرّا بنار من نيران المسلمين يقولون: عم رسول اللّه على بغلة
رسول اللّه ( أي أن المارّ ليس بغريب)...
دخل العباس أبا سفيان على رسول اللّه فقال رسول اللّه
"صلى الله عليه وآله" للعباس: «اذهب فقد أمنّاه حتى تغدو عليّ به
بالغداة ».
فلما كان من الغد جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول اللّه
"صلى الله عليه وآله" فلما رآه قال "صلى الله عليه وآله":
«ويحك
يا أبا سفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه؟».
قال: بلى، بأبي أنت وأمي لو كان مع اللّه غيره لقد أغني
عني شيئاً.
فقال "صلى الله عليه وآله":
ويحك ألم يأنِ لك أن تعلم أني رسول اللّه؟».
فقال: بأبي أنت وأمي، أما هذه ففي النفس منها شيء.
فقال له العباس: ويحك تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك!
فتشهّد.
فقال رسول اللّه "صلى الله عليه وآله" للعباس:
«اذهب فاحبس أبا سفيان عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه».
قال العباس: يا رسول اللّه إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل
له شيئاً يكون في قومه.
فقال "صلى الله عليه وآله":
«من
دخل دار أبي سفيان فهو آمن... ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن..».
ثم قال العباس: إلحق بقومك سريعاً فحذّرهم.
فخرج حتى أتى مكة فصرخ في المسجد: يا معشر قريش هذا محمد
قد جاءكم بما لا قبل لكم به. ثم قال: من دخل داري فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن،
ومن أغلق بابه فهو آمن، وقال: يا معشر قريش أسلموا تسلموا.
ما قبلت امرأته هند فأخذت بلحيته وقالت: يا آل غالب
اقتلوا هذا الشيخ الأحمق فقال: أرسلي لحيتي وأقسم لئن أنت لم تُسلمي لتُضربنّ
عنقك، ادخلي بيتك! فتركته.
ثم بلغ رسول اللّه "صلى الله عليه وآله" مع
جيش منطقة «ذي طوى» وهي مرتفع يشرف على بيوت مكة. فتذكر الرسول ذلك اليوم الذي خرج
فيه مضطراً متخفياً من مكة. وها هو يعود إليها منتصراً، فوضع رأسه تواضعاً للَّه
وسجد على رحل ناقته شكراً له سبحانه.
ثمّ ترجّل النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله"
في «الحجون» إحدى محلات مكة، وفيها قبر خديجة"عليها السلام" واغتسل، ثم
ركب ثانية بجهاز الحرب ودخل المسجد الحرام وهو يتلو سورة الفتح. ثم كبر وكبر جند
الإسلام معه. فدوى صوت التكبير في أرجاء مكة.
ثم نزل من ناقته، واقترب من الكعبة، وجعل يُسقط الأصنام
واحداً بعد آخر وهو يقول:
«
جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ».
وكان عدد من الأصنام قد نصب فوق الكعبة، ولم تصل إليها
يد الرسول "صلى الله عليه وآله" فأمر علياً أن يصعد على كتفه المباركة
ويرمي الأصنام فامتثل عل "عليه السلام" أمر الرسول "صلى الله عليه
وآله".
ثم أخذ مفاتيح الكعبة
(126).
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«قل
أعوذ برب الفلق (1) من شرّ ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر النفاثات في
العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) ».
1
- أعوذ: «العوذ» هو الاعتصام
والتحرز من الشر بالإلتجاء إلى من يدفعه.
2
- الفلق: الشق والفرق ويطلق أيضاً على الصبح لأنه يزيل الظلام.
3
- الغسق: أول ظلمة الليل.
4
- وقب: «الواقب» هنا الداخل.
5
- النفاثات: «نفث» أي نفخ.
نزلت هذه السورة في مكة المكرمة
(127)
عدد آياتها خمسة.
تتضمن السورة تعاليم النبي "صلى الله عليه
وآله" خاصة وللناس عامة تقضي أن يستعيذوا باللَّه من شر كل الأشرار وأن
يوكلوا أمرهم إليه ويأمنوا من كل شر في اللجوء إليه وبشأن نزول السورة ذكرت
الرواية المنقولة في أغلب كتب التفسير أن النبي "صلى الله عليه وآله"
أصيب بسحر بعض اليهود، ومرض على أثر ذلك فنزل جبرائيل "عليه السلام"
وأخبره أن آلة السحر موجودة في بئر، فأرسل من يخرجها ثم تلا هذه السورة، وتحسنت
صحته.
المرحوم الطبرسي ومحققون آخرون شككوا في هذه الرواية
التي ينتهي سندها إلى عائشة وابن عباس لما يلي:
أولاً: السورة كما هو
مشهور مكية ولحنها مثل لحن السور المكية، والنبي "صلى الله عليه وآله"
جابه اليهود في المدينة وهذا يدل على عدم أصالة الرواية.
ثانياً: لو كان اليهود
بمقدورهم أن يفعلوا بسحرهم ما فعلوه بالنبي حسب الرواية لاستطاعوا أن يصدوه عن
أهدافه بسهولة عن طريق السحر، واللَّه سبحانه قد حفظ نبيه كي يؤدي مهام النبوة
والرسالة.
ثالثاً: لو كان السحر
يفعل بجسم النبي ما فعله لأمكن أن يؤثر في روحه أيضاً، وتكون أفكاره بذلك لعبة بيد
السحرة، وهذا يزلزل مبدأ الثقة بالنبي "صلى الله عليه وآله". والقرآن
الكريم يرد على أولئك الذين أتهموا النبي "صلى الله عليه وآله" بأنه
مسحور إذ قال: «... وقال الظالمون إن تتّبعون إلا رجلاً
مسحوراً * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلاً »
(128).
«مسحور»
في الآية تشتمل من أصيب بسحر في عقله أو في جسمه، وهذا دليل على ما نذهب إليه.
على أي حال لا يجوز أن نمس من قداسة مقام النبوة بهذه
الروايات المشكوكة على آيات لم ينزل مثلهنّ(المعوذتان)
(129).
عن الإمام الباقر "عليه السلام" قال:
عن النبي "صلى الله عليه وآله" قال لأحد
أصحابه:
وواضح أن هذه الفضيلة نصيب من جعل روحه وعقيدته وعمله
منسجماً مع محتوى السورة.
في السورة المباركة استفادات عديدة:
بما أن الإنسان خلق ناقصاً ضعيفاً، جاهلاً محتاجاً
فقيراً، فإذن هو لا بد أن يلجأ إلى كامل قوي عالم غني، ولكن الإنسان وقع في خطأ
تشخيص هذا الكامل، فركز إلى ما لا يركن إليه، وغفل عن رب الأرباب، رب العالمين،
المحيط بكل شيء، العالم بالسر وأخفى، الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد.
والإنسان عادة ما يستعيذ ويلجأ إلى آخر؛ عندما يفقد ثقته
بنفسه في مواجهة شر داهم، ويظن أن ما يستعيذ به قادر على أن ينجيه مما هو فيه،
فيلجأ إليه، كمن يلجأ الذي يطارده الوحش إلى كهف أو حصن منيع.
وقد تكون الأخطار والشرور التي يخشى منها الناس مجرد
أوهام وظنون ووساوس شيطانية، وبعض الناس لخطأهم في تشخيص من يلجأون إليه تعوّذوا
مثلاً بالجن والسحر والأصنام؛ وكان عليهم الاستعاذة باللَّه خالق كل شيء، وهذا ما
أمر اللَّه به في آيات عدّة ومنها هذه الآية: « قل أعوذ برب الفلق ».
فالاستعاذة حالة نفسية (لجوء وركون)، قوامها: الخشية من
الخطر، والثقة بمن يستعاذ به.
ورد العديد من الآيات الكريمة التي تتحدّث عن الشرور
نأتي على بعضها ليتكامل البحث:
أ - توهُّم الشر والخير:
إن الإنسان باعتبار ضعفه وجهله قد يتوهّم أن ما غايته
خير شراً، وما نهايته شر خيراً، فيتطلع إلى ظواهر الأمور وبداياتها ولا يتطلع إلى
عمقها ونهاياتها.
يقول تعالى: « كتب عليكم
القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوّا شيئاً وهو شر
لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون »
(132).
فاللَّه سبحانه يفتح أمام المؤمنين نافذة ليطلوا منها
على عالم أوسع من هذه المشاعر الشخصية الضيقة التي تنتابُ الكائن البشري،
ويعلِّمهم: أن المشاعر الذاتية بالكره والحب، وتوهم الخير والشر، ليست معياراً لفهم المصلحة الحقيقية
للفرد والمجتمع، فرب شيء تكرهونه ويكون فيه خير كثير، ورب شيء تحبونه وهو ينطوي
على شر بليغ. واللَّه تعالى هو المحيط بخفايا الأمور، ولا يستطيع البشر مهما بلغ
وعيهم وفطنتهم إلا أن يفهموا جانباً من تلك الخفايا والمصالح البعيدة في الأحكام
التي كتبها على المؤمنين.
فعلى الإنسان المؤمن أن يفهم أن كل هذه القوانين
والأحكام هي لصالحه، تشريعية كانت كالجهاد والزكاة والصوم، أم تكوينية كالموت
والمصائب التي تحل به أو بأحبائه، ولذلك عليه بالتسليم للَّه والاستعاذة به ولا
يحكم فيها علمه المحدود، فعلمه بالنسبة لمجهولاته كذرة بالنسبة إلى الكون الشاسع.
ب - الشر والخير بلاء:
قال تعالى: « ونبلوكم بالشر
والخير فتنة »
(133).
فالدنيا دار امتحان وابتلاء، والآخرة هي دار القرار،
واللَّه تعالى يختبر الناس بالشر
والخير .
في حديث عن أمير المؤمنين "عليه السلام": مرض
أمير المؤمنين "عليه السلام" فعاده قوم.
فقالوا: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟
قال "عليه السلام": أصبحت بشرّ.
قالوا: سبحان اللّه هذا كلام مثلك؟!.
فقال "عليه السلام":
ثم أن المصائب هي وسيلة مهمّة لتكامل الإنسان.
يقول إمام الصابرين علي "عليه السلام":
يقول أحد الحكماء: « البرنامج العملي للعظماء هو لا
تتحمّل المشكلات فقط بل أحببها ».
ويقول: « لقد طالعت كثيراً في حياة الرجال النادرين
فوصلت إلى هذه النتيجة وهي أن سبب نجاح أغلبهم هو الموانع التي واجهوها في حياتهم ».
ج - شر الخلق:
يقول تعالى: « إن شر الدواب
عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون »
(136)
ويقول سبحانه: « إن شر الدواب
عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون »
(137).
ويقول جلّ وعلا: « إن الذين
كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية »
(138).
د - خير البرية:
يقول تعالى: « إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنّات عدن تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم رضوا عنه ذلك لمن خشي ربه »
(139).
على بعض التفاسير أن النفاثات في العقد إشارة إلى النساء
اللاتي كن يوسوسن في أذن الرجال وخاصة الأزواج ليثنوهم عن عزمهم المعقود وليوهنوا
عزائمهم في أداء المهام الصالحة.
في الحقيقة أن للنساء دوراً بارزاً في الإفساد أو
الإصلاح، والتاريخ مليء بكلا النموذجين، فمثال على النموذج الفاسد ما يروى عن سبب
قتل النبي يحيى "عليه السلام":
« أن امرأة بغياً افتتن بها ملك بني إسرائيل، وكان يأتيها، فنهاه
يحيى، ووبّخه على ذلك، وكان مكرّماً عند الملك، يطيع أمره ويسمع قوله، فاضمرت
المرأة عداوته، وطلبت من الملك رأس يحيى وألحّت عليه، فأمر به فذبح، وأهدي إليها
رأسه...»
(140).
ومثال على النموذج الصالح: انظر إلى «دلهم بنت عمرو»،
زوجة زهير بن القين التي قالت لزوجها عندما حطّوا الرحال في «زرود» وجاء إليه رسول
الحسين، فتحيَّر ووجم ولم يعرف جواباً فبادرته قائلة: سبحان اللَّه أيبعث إليك ابن
رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله" ولا تجيبه؟ ما ضرّك لو أتيته فسمعت
كلامه ثم انصرفت؟ فكان موقفها ودعمها الروحي وتشجيعها سبباً لتحويل زهير إلى معسكر
الحسين "عليه السلام".
الحسد شجرة خبيثة، لها فروع خبيثة، كالحقد والعداوة
والإيذاء والكبر والقتل الخ، وقد ورد الكثير في ذمِّه، قال الصادق "عليه
السلام": «إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار
الحطب»
(141).
وعن الصادق "عليه السلام": «آفة الدين الحسد والعجب والفخر»
(142).
1
- اذكر الآية التي تشير إلى توهُّم الشر والخير؟
2
- اذكر الآية التي تشير إلى أن الشر والخير بلاء؟
3
- من هم شر الخلق، أذكر آية في ذلك؟
4
- ماذا يعني النفاثات في العقد على قول؟
5
- اذكر حديثاً في ذم الحسد؟
آفة الحسد:
عن رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله" قال:
«قال اللَّه عزَّ وجلَّ لموسى بن عمران "عليه السلام":
يا بن عمران لا تحسدن الناس على ما أتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا
تُتَبعِهُ نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي ضا لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك ذلك
فلست منه وليس مني»
(143).
يقول الإمام الخميني "قدس سره" في معرض شرحه
للحديث المتقدم:
إن «الحسد» حالة نفسية يتمنى صاحبها سلب الكمال والنعمة
التي يتصورها عند الآخرين، سواء أكان يملكها أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لم
يردها، وهذا يختلف عن « الغبطة »
لأن صاحب الغبطة يريد النعمة التي توجد لدى الغير، أن تكون لنفسه، من دون أن يتمنى
زوالها عن الغير.
وأما قولنا « النعمة التي يتصورها عند الآخرين» فنعني به
أنَّ تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة حقيقية. فطالما تبين أن الأمور التي تكون
بحد ذاتها من النقائض والرذائل، يتصورها الحسود من النعم والكمالات، فيتمنى زوالها
عن الآخرين، أو أن خصلة تعدَّ من النقائص للإنسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد
في مرتبة الحيوانية فيراها كمالاً، ويتمنى زوالها فهناك بين الناس، مثلاً أشخاص
يحسبون الفتك بالغير وسفك الدماء موهبة عظيمة. فإذا شاهدوا من هو كذلك حسدوه، أو
قد يحسبون سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات وتصور وجود النعمة، لا النعمة لنفسها،
فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية كانت أو موهومة ويتمنى زوالها، يعدُّ حسوداً.
اعلم أن للحسد أنواعاً ودرجات حسب حال المحسود وحسب حال
الحاسد وحسب حال الحسد ذاته أما من حيث حال المحسود، فمثل أن يحسد شخصاً لما له من
كمالات عقلية، أو خصال حميدة، أو لما يتمتع به من الأعمال الصالحة والعبادية، أو
لأمور خارجية أخرى، مثل امتلاك المال والجاه والعظمة والاحتشام وما إلى ذلك، أو أن
يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث كونها من الكمال الموهوم الموجود في
المحسود.
وأما من حيث حال الحاسد فقد ينشأ الحسد أحياناً من
العداوة، أو التكبر، أو الخوف وغير ذلك من الأسباب والعوامل التي سيرد ذكرها فيما
بعد.
وأما من حيث حال الحسد نفسه، الذي نستطيع أن نقوله أنها
الدرجات، والتقسيمات الحقيقية للحسد دون ما سبق ذكره فلشدته وخفته مراتب كثيرة
تختلف باختلاف الأسباب كما تختلف باختلاف الآثار.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«قل
أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في
صدور الناس * من الجنة والناس *«.
1
- الوسواس: الصوت الخفي الذي لا يحسّ.
2
- الخناس: صيغة مبالغة من الخنوس وهو التراجع والاختفاء.
3
- الجنة: أي الجن في مقابل الإنس.
نزلت هذه السورة في مكة المكرّمة
(144)وآياتها
ست.
الإنسان معرض دائماً لوساوس الشيطان. وشياطين الجن
والإنس يسعون دائماً للنفوذ في قلبه وروحه. ومقام الإنسان في العلم مهما ارتفع،
ومكانته في المجتمع مهما سمت يزداد تعرضه لوساوس الشياطين ليبعدوه عن جادة الحق.
وليبيدوا العالم بفساد العالِم.
هذه السورة تأمر النبي "صلى الله عليه وآله"
باعتباره القدوة والأسوة أن يستعيذ باللَّه من شر الموسوسين.
محتوى هذه السورة شبيه بمحتوى سورة الفلق، فكلاهما
يدوران حول الاستعاذة باللَّه من الشرور والآفات، مع فارق أن سورة الفلق تتعرض
لأنواع الشرور، وهذه السورة تركز على شر(الوسواس الخناس).
وفي فضيلة هذه السورة وردت روايات متعددة منها ما روي:
«إن رسول اللَّه "صلى الله عليه وآله" اشتكى شكوى شديدة،
ووجع وجعاً شديداً. فأتاه جبرائيل وميكائيل عليهما السلام ، فقعد جبرائيل عند رأسه
وميكائيل عند رجليه، فعوّذه جبرائيل بقل أعوذ برب الفلق وميكائيل بقل أعوذ برب
الناس»
(145).
روي عن الإمام الباقر "عليه السلام" أنه قال:
الإنسان مركب من العقل والشهوة، والملائكة من العقل فقط،
والحيوان من الشهوة فقط، كما ورد في بعض الأحاديث، لذلك كان من الطبيعي أن الإنسان
تتجاذبه الموجات المتقابلة، من جهة موجة إلهية ملائكية ومصدرها العقل، ومن جهة
أخرى موجة شيطانية إبليسية ومصدرها الشهوة، فهما يتصارعان، فإذا تغلب عقل الإنسان
على شهوته أصبح أفضل من الملائكة، وإذا تغلبت شهوة الإنسان على عقله أصبح أخسَّ
من الحيوان.
من هذا التصارع والتضاد في روح الإنسان وقلبه، يدخل
الوسواس لكي يغلّب جهة الشهوة والهوى على جهة العقل والحكمة.
ولقد ورد عن الإمام الصادق "عليه السلام" أنه
قال:
«ما
من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه: أذن ينفث فيها الوسواس الخناس، وأذن ينفث فيها
الملك، فيؤيد اللَّه المؤمن بالملك، وذلك قوله تعالى: «وأيدهم بروح منه».
وعنه "عليه السلام":
والوسواس مخالف للعقل والحكمة إلا أن كثرة تكرار الوسوسة
على النفس تؤثر سلباً عليها، كما أن الإيحاء الإلهي الملائكي كثرة تكراره في النفس
يؤثر إيجاباً عليها.
وهذا سرُّ الأمر بذكر اللَّه تعالى ذكراً كثيراً؛ لأن
النفس إذا لم تملئ بذكر اللَّه، فسيدخل الوسواس الشيطاني الشهواني إلى الفراغ
النفسي.
ولقد حثّ الإسلام العظيم على ذكر اللَّه، فقال القرآن
الكريم :
« اذكروا الله ذكراً كثيراً »
(147).
« واذكر ربك كثيراً وسبّح بالعشي والأبكار»
(148).
وحذّر من الإعراض عن ذكره:
« ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين»
(149).
وقال الصادق "عليه السلام":
واعتبر الإمام الباقر "عليه السلام" ذكر
اللَّه صلاة، فقال:
«لا
يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر اللَّه قائماً كان أو جالساً أو مضطجعاً، إن
اللَّه يقول: الذين يذكرون اللَّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق
السموات والأرض...».
وقال النبي "صلى الله عليه وآله":
وقد تحدّث الإمام الخميني عن تأثير الإيحاء المكرّر في
النفس الإنسانية ولكن بمفهوم التلقين فقال:
«إن
الكتب التي جاءت لبناء الإنسان كالقرآن الكريم، والكتب التي كتبت في الأخلاق
وتستهدف بناء الإنسان وبناء الاجتماع تكرّر المواضيع حسب أهميتها. ويكثر التكرار
في القرآن الكريم، ويتسائل البعض لماذا هذا التكرار؟ في حين أنه لازم أن التلقين
هو من الأشياء المفيدة لبناء الإنسان. لو أراد الإنسان أن يبني نفسه لوجب عليه أن
يلقّن نفسه تلك الأمور المرتبطة ببناء نفسه ويكرّرها.
ويزداد تأثير تلك الأمور التي ينبغي أن تؤثّر في نفس
الإنسان من خلال التلقين والتكرار. فسبب تكرار الأدعية وتكرار الصلاة في كل يوم
عدّة مرات ودائماً هو لكي يقول الإنسان ويسمع، ويقرأ بنفسه ويستمع تلك الآيات التي
تبنيه مثل سورة الحمد المباركة... فالتلقين هو من الأمور الضرورية.
وسبب أنني ألقِّن الأصدقاء في بعض المسائل مطلباً
باستمرار هو أهميّة المطلب... ولذا ينبغي تكرار المسائل المهمّة، وأن يقوم الخطباء
بالتكرار، ويلقن المستمعون أنفسهم باستمرار حتى تؤثر في النفوس إنشاء اللَّه»
(150).
ويقول أيضاً "قدس سره":
« يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغد واتّقوا
الله إن الله خبير بما تعلمون »
(151).
إلى آخر السورة المباركة، مع تدبّر معانيها، في تعقيبات
الصلوات، وخصوصاً في أواخر الليل حيث يكون القلب فارغ البال، مؤثِّرة جدّاً في
إصلاح النفس وفي الوقاية من شرِّ النفس والشيطان»
(152).
اليهود كان من بعض معالجاتهم للمريض أنهم يهمسون في أذن
المصاب ببعض آيات من سفر الخروج التي تقول: «إذا أصغيت لكلام الرّب إلهك، وعملت ما
هو حق في نظره، واستمعت إلى وصاياه، وحافظت على جميع فرائضه فلن أرسل عليك أي مرض
من الأمراض التي أرسلتها على المصريين فإني أنا الرب الذي يبرئك ».
إن هذا الهمس والإيحاء وتأثيره يعرف بعلم النفس الحديث «
بالإيحاء » الذي يؤثر في النفس الإنسانية تأثيراً لا شك في فاعليته ونجاحه كما
تدلّ تجارب هؤلاء العلماء
(153).
3 -
تنوّع الوسواس في هذا العصر:
الوسواس الشيطاني كانت وسائله في الماضي أقل خطراً
ودخولاً إلى المجتمع المؤمن، أما في هذا الزمن فلقد كثرت الإغراءات وقلّت الكوابح،
سبل الشيطان مفتوحة، وأبواق الضلال مرتفعة أصواتها، في هذا الزمن أصبح المؤمن فيه
قابضاً على إيمانه كأنه قابض على الجمر.
فالوسواس في هذا الزمن يأتي بألف ملبس وملبس، فلا بد من
اللجوء إلى رب الناس وملك الناس وإله الناس، والاستعاذة به منه في كل أشكاله
وصوره، أصدقاء السوء، الجلساء المنحرفون، الولاة الجبابرة الطواغيت، الكتاب
الخطباء الشعراء الفاسدون، المدارس الإلحادية والالتقاطية المخادعة، ووسائل الإعلام
الفاسدة، والانترنت، إلى غير ذلك الذي يندرج تحت المفهوم الواسع للوسواس الخنّاس.
«إنَّ كّيًدّ پشَّيًطّا كّانّ ضّيفْا»
(154).
1
- ماذا يعني الوسواس الخناس؟
2
- لماذا نحن بحاجة إلى الاستعاذة؟
3
- كيف تصوِّر التصارع في الإنسان؟
4
- كيف تعالج الوسواس؟
5
- هل يختلف الوسواس في هذا العصر عن العصر القديم؟
وسوسة الشيطان؟!
في الحديث:
«
ذكرتُ لأبي عبد اللَّه "عليه السلام" رجلاً مبتلى بالوضوء للصلاة وقلت
له: هو رجل عاقل. فقال أبو عبد اللَّه "عليه السلام" وأي عقل له وهو
يطيع الشيطان؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتي من أي شيء
هو؟ فإنه يقول لك: من عمل الشيطان ».
يقول الإمام الخميني "قدس سره" أعلى اللَّه
مقامه:
اعلم أن الوسوسة والشك والتزلزل والشرك وأشبهاهما من
الخطرات الشيطانية والإلقاءات الإبليسية التي تقذف في قلوب الناس، كما أن الطمأنينة
واليقين والثبات والإخلاص وأمثالها من الإفاضات الرحمانية والإلقاءات الملكية
وتفصيل هذا الإجمال بصورة مختصرة هوان قلب الإنسان شيء لطيف متوسط بين نشأة الملك
ونشأة الملكوت. بين عالم الدنيا وعالم الآخرة وجهة منه نحو عالم الدنيا والملك، وبها يعمّر هذا العالم،
ووجهه أخرى منه نحو عالم الآخرة والملكوت والغيب وبها يعمّر عالم الآخرة والملكوت.
فالقلب بمثابة مرآة لها وجهان، وجهه منها نحو عالم الغيب
وتنعكس فيه الصور الغيبية، ووجه آخر نحو عالم الشهادة وتنعكس فيه الصور الملكية
الدنيوية. ويتم انعكاس الصور الدنيوية من خلال القوى الحسّية الظاهرية وبعض القوى
الباطنية مثل الخيال والوهم وتنتقش الصور الأخروية فيها من باطن العقل وسرّ القلب.
فإذا قويت الوجهة الدنيوية والتفتت كلياً إلى تعمير
الدنيا وانحصرت في هذا العالم واستغرق في ملاذ البطن والفرج وكافة المشتهيات
والمتع الدنيوية، انعطف باطن الخيال نحو. الملكوت السفلي الذي يكون بمثابة الظل
المظلم لعالم الملك والطبيعة وعالم الجن والشياطين والنفوس الخبيثة. وتكون
الالقاءات شيطانية وباعثة على تخيلات باطلة وأوهام خبيثة. وحيث أن النفس تنتبه إلى
الدنيا فتشتاق إلى تلك التخيلات الباطلة ويتبعها أيضاً العزم، والإرادة وتتحول كل
الأعمال القلبية والغالبية إلى سنخ الأعمال الشيطانية من قبيل الوسوسة والشك
والترديد والأوهام والخيالات الباطلة وتصبح الإرادة على ضوء ذلك في ملك الجسم
فعّالة وتتجسد الأعمال البدنية أيضاً حسب الصور الباطنية للقلب لأن الأعمال صورة
وتمثال للإرادات التي هي صور ومثال للأوهام التي بدورها انعكاس لاتجاه القلب وحيث
أن وجهة القلب كانت نحو عالم الشياطين، كانت الإلقاءات في القلب من سنخ الجهل
المركب الشيطاني وفي النتيجة تستشري من باطن الذات الوسوسة والشك والشرك والشبهات
الباطلة وتسري في كل أنحاء الجسم.
وعلى هذا القياس المذكور، إذا كانت وجهه القلب نحو تعمير
الآخرة والمعارف الحقة وعالم الغيب لحصل له وئام مع الملكوت الأعلى الذي هو عالم
الملائكة وعالم النفوس الطيبة السعيدة والذي يكون هذا العالم بمثابة الظل النوراني
لعالم الطبيعة وتعتبر العلوم التي تفاض عليه من العلوم الرحمانية الملكية والعقائد
الحقة وتصير الخواطر من الإلقاءات والخواطر الإلهية ويتطهر من الشك والشرك وينزه
منهما وتجعل الاستقامة والطمأنينة في النفس وتصير أشواقها أيضاً على ضوء تلك
العلوم وإرادتها على ضوء تلك
الأسواق ومجمل الكلام أن الأعمال القلبية والغالبية والظاهرية والباطنية
تتحقق على أساس العقل والحكمة.
(1)
سورة البقرة، الآية/2.
(2)
مجمع البيان، ج10،
ص496.
(3) سورة آل عمران، الآية/191.
(4)
الأربعون حديثاً، ص29.
(5)
مجمع البيان، ج10،
ص501.
(6)
مجمع البيان، ج10،
ص499.
(7)
سورة النحل، الآية/58.
(8)
سورة التكوير، الآيتان/
9 8.
(9)
سورة الأحزاب،
الآية/35.
(10)
مجمع البيان، ج10،
ص501.
(11)
مجمع البيان، ج10،
ص508.
(12)
مجمع البيان، ج10،
ص507.
(13) الكافي، ج5، ص78.
(14)
مجمع البيان، ج5،
ص53.،
تحف العقول، ص66.
(15)
وقيل أنه جبرائيل.
(16)
روح المعاني، ج30،
ص188 و«الدر المنثور»، ج6، ص371.
(17)
مجمع البيان، ج10،
ص516.
(18) مجمع البيان، ج10، ص516.
(19) سورة الطلاق، الآية/7.
(20)
سورة الدخان،
الآيتان/4 3.
(21) الإنسان والقضاء والقدر، مطهري، ص16.
(22) قصة الحضارة، ول ديورانت، ج13، ص5.
(23) وهو اعتقاد السنّة المتبعين لمذهب الأشاعرة القائل
بالجبر.
(24) سورة المائدة، الآية/64.
(25) سورة البقرة، الآية/235.
(26) سورة البقرة، الآية/77.
(27) سورة لقمان، الآية/34.
(28) سورة الحجرات، الآية/16.
(29) سورة غافر، الآية/60.
(30) سورة البقرة، الآية/186.
(31) سورة النمل، الآية/62.
(32) الكافي، باب اليقيني في الدعاء، ج2، ح1، ص473
(33) دعاء أبي حمزة الثمالي(راجع: مفاتيح الجنان: أعمال
أسحار شهر رمضان) وللدعاء شروطه وفلسفته، والحديث عن ذلك له مكانه.
(34) مجمع البيان، ج10، ص530.
(35) سورة البقرة، الآية/232.
(36) سورة آل عمران، الآية/114.
(37) عن رسول اللّه "صلى الله عليه وآله": «يهرم بني
آدم ويبقى معه اثنتان الحرص والأمل»، الخصال، ج1، ص73.
(38) روى الإمام الصادق "عليه السلام" عن رسول
اللَّه "صلى الله عليه وآله": «من تاب قبل موته بسنة قبل اللّه توبته ثم
قال: إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل اللّه توبته، ثم قال: إن الشهر
لكثير. من تاب قبل موته بجمعة، قبل اللّه توبته. ثم قال: إن الجمعة لكثير. من تاب
قبل موته بيوم، قبل اللّه توبته. ثم قال: إن اليوم لكثير، من تاب قبل أن يعاين قبل
اللّه توبته» أصول الكافي، ج2، ص44.
(39) مجمع البيان، ج10، ص532.
(40) سورة الحديد، الآية/20.
(41) سورة ق، الآيات/22 19.
(42) نهج البلاغة، الخطبة 221.
(43) سورة المؤمنون، الآيتان/100 99.
(44) سورة الحجرات، الآية/14.
(45) سورة الواقعة، الآية/95.
(46) سورة التكاثر، الآية/8.
(47) مجمع البيان، ج10، ص535.
(48) سورة الصافات، الآية/24.
(49) مجمع البيان، ج10، ص545.
(50) سورة الصافات، الآية/24.
(51) بحار الأنوار، ج7، ص258.
(52) أصول الكافي، حج2، الإيمان والكفر، باب اتباع الهوى،
ح3.
(53) سورة البقرة، الآية/96.
(54) جامع السعادات، النراقي، مج3، ص35.
(55) ن.م.
(56) ن.م، ص38.
(57) مفاتيح الجنان، دعاء ليلة 27 من شهر رمضان.
(58) سورة النساء، الآيتان/124 123.
(59) سورة آل عمران، الآية/110.
(60) روضة الكافي، ص79، الحديث 33.
(61) مجمع البيان ، ج10 ،ص 536
(62) مجمع البيان ، ج10 ،ص 536
(63) نقله عن المجمع ، تفسير الميزان ،ج20،ص358.
(64) بحار الأنوار،ج68،ص304
(65) سورة إبراهيم ،الآيات / 24-26
(66) الخنى : الفحش في الكلام.
(67) إجمامه : إراحته
(68) رسالة الحقوق : حق الإنسان.
(69) وسائل الشيعة ،ج11،كتاب الجهاد ،باب 71من ابواب جهاد
النفس ،حديث3.
(70) ن.م.ب،ح8
(71) ن.م.ب،ح1
(72) سورة الإسراء ،الآية /64.
(73) وسائل الشيعة ،ن.م.ج،ح2
(74) سورة الحجرات ،الآية /12.
(75) سورة الحجرات ،الآية /11.
(76) سورة الحجرات ،الآية /10.
(77) أصول الكافي ،ج2ص175"كتاب الايمان والكفر ،باب
التراحم والتعاطف "ح1.
(78) نفس المصدر ، الحديث 14
(79) نفس المصدر ، الحديث 2.
(80) الحديث 19، ص334 الهامش3.
(81) قيل أنها نزلت في المدينة.
(82) الأمثل، ج20، ص439.
(83) الميزان، ج20، ص368.
(84) مجمع البيان، ج10، ص546.
(85) سورة البقرة، الآية/83.
(86) سورة البقرة، الآية/177.
(87) أغبّ القوم: جاءهم يوماً وترك يوماً، أي لا تجيعوهم بأن
تطعموهم غبّاً.
(88) فروع الكافي، ج7، ص11.
(89) ميزان الحكمة، الري الشهري ، مج10، ص765.
(90) سورة النساء، الآية/10.
(91) ميزان الحكمة، م.س، مج10، ص766.
(92) ن.م، ص.
(93) ميزان الحكمة، م.س، مج10، ص767.
(94) تفسير الميزان، الطباطبائي، ج21، ص369 368.
(95) تفسير الميزان، الطباطبائي، ج21، ص369 368.
(96) رسالة الحقوق، للإمام زين العابدين، حق الصلاة.
(97) يرفض عرفاً: يسيل عرقه ويجري.
(98) بحار الأنوار، ج46، ص64.
(99) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج3، كتاب الصلاة، باب 8 من
أبواب اعداد الفرائض حديث 2.
(100) تفسير الميزان، الطباطبائي، ج20، ص268.
(101) ن.م، ص269.
(102) سورة الإنسان، الآيتان/9 8.
(103) مجمع البيان، ج2، ص472، طباعة دار احياء التراث العربي.
(104) مجمع البيان، ج2، ص472، طباعة دار احياء التراث العربي.
(105) مجمع البيان تفسير الآية 92 من سورة «آل عمران».
(106) مجمع البيان تفسير الآية 92 من سورة «آل عمران».
(107) أصول الكافي، ج2، ص320 315 «كتاب الإيمان والكفر باب حبّ الدنيا والحرص عليها»
الأحاديث 17 1.
(108) الحديث 6، ص146 فصل «في بيان سبب ازدياد حبّ الدنيا».
(109) فروع الكافي، ج4، ص8 «كتاب الزكاة
باب فضل صدقة السرّ»، الحديث 2.
(110) مجمع البيان، ج10، ص 554. هذه الرواية وردت بألفاظ
مختلفة الميزان، ج20، ص532.
(111) مجمع البيان، ج10، ص553.
(112) نفس المصدر.
(113) سورة البقرة، الآية/214.
(114) سورة آل عمران، الآية/126.
(115) سورة التوبة، الآية/25.
(116) سورة الفاتحة، الآية/5.
(117) سورة الضحى، الآيات/8 6.
(118) سورة الروم، الآية/47.
(119) سورة محمد، الآية/7.
(120) سورة المائدة، الآية/24.
(121) سورة البقرة، الآية/214.
(122) نهج البلاغة، من كلام له في وصف حربهم على عهد النبي
"صلى الله عليه وآله"، ج1، ص104، تحقيق الشيخ محمد عبدو، الخطبة 56.
(123) سورة العنكبوت، الآية/69.
(124) سورة .الأنفال، الآية/60.
(125) سورة المائدة، الآية/24.
(126) بتلخيص عن الكامل لابن الأثير، ج2، وتفسير مجمع البيان،
تفسير سورة النصر.
(127) قيل نزلت في المدينة
(128) سورة الفرقان ،الآيتان /8-9
(129) نور الثقلين ،ج5،ص716.
(130) نور الثقلين ،ج5،ص716.
(131) نور الثقلين ،ج5،ص716.
(132) سورة البقرة، الآية/216.
(133) سورة الانبياء ،الآية /35
(134) الدعوات للراوندي ،ص168
(135) نهج البلاغة ، الكتاب 45.
(136) سورة الانفال ، الآية /22
(137) سورة الانفال ، الآية / 55
(139) سورة البينة ،الآية /6.
(140) سورة البينة ،الآيتان /7-8
(141) بحار الأنوار، المجلسي ،ج14، ص181.
(142) بحار الأنوار، ج73، ص237.
(143) بحار الأنوار، ج73، ص248.
(144) وقيل فيالمدينة .
(145) نور الثقلين ،ج5،ص7645،ومجمع البيان ،ج10،ص567و569.
(146) المصدر السابق.
(147) سورة الأحزاب ،الاية /41
(148) سورة ال عمران، الآية/41.
(150) سورة الزخرف، الآية/36.
(151) الامام الخميني – كتيب التربية والمجتمع – مركز الامام
الخميني ،ص67.
(152) سورة الحشر، الآية/18.
(153) لمزيد من التفصيل أنظر ،الرياضة ،الروحية والصوم الديني ،
الشيخ عباس رشيد ،دار المحجة البيضاء .
(154) سورة النساء ،الاية /76